والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله ويدعوهم إلى اتباع ما يأمرهم به الله . وأصل دَعاه إلى فلان : أنه دعاه إلى الحضور عنده ، يقال : ادعُ فلاناً إليَّ . ولما عُلم أن الله تعالى منزه عن جهة يحضرها الناس عنده تعين أن معنى الدعاء إليه الدعاء إلى ترك الاعتراف بغيره ( كما يَقولون : أبو مسلم الخراساني يدعو إلى الرضَى من آل البيت ) فشمل هذا الوصف أصول الاعتقاد في شريعة الإِسلام مما يتعلق بصفات الله لأن دعوة الله دعوة إلى معرفته وما يتعلق بصفات الدُعاة إليه من الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم .
وزيادة { بإذنه } ليفيد أن الله أرسله داعياً إليه ويسّر له الدعاء إليه مع ثقل أمر هذا الدعاء وعظم خطره وهو ما كان استشعره النبي صلى الله عليه وسلم في مبدأ الوحي من الخشية إلى أن أُنزل عليه { يا أيها المدثر قم فأنذر } [ المدثر : 1 ، 2 ] ، ومثلُه قوله تعالى لموسى : { لا تخف إنك أنت الأعلى } [ طه : 68 ] ، فهذا إذن خاص وهو الإِذن بعد الإِحجام المقتضي للتيسير ، فأطلق اسم الإِذن على التيسير على وجه المجاز المرسل . ونظيره قوله تعالى خطاباً لعيسى عليه السلام : { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني } [ المائدة : 110 ] وقوله حكاية عن عيسى { فأنفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله } [ آل عمران : 49 ] .
وقوله { وسراجاً منيراً } تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل ، أي أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها والتي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها وأوقفت الناس على دخائلها ، كما يضيء السراج الوقّاد ظلمة المكان . وهذا الوصف يشمل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من البيان وإيضاح الاستدلال وانقشاع ما كان قبله في الأديان من مسالك للتبديل والتحريف فشمل ما في الشريعة من أصول الاستنباط والتفقه في الدين والعلم ، فإن العلم يشبَّه بالنور فناسبه السراج المنير . وهذا وصف شامل لجميع الأوصاف التي وصف بها آنفاً فهو كالفذلكة وكالتذييل .
ووصف السراج ب { منيراً } مع أن الإِنارة من لوازم السراج هو كوصف الشيء بالوصف المشتق من لفظه في قوله : شعر شاعر ، وليلٌ ألْيَل لإِفادة قوة معنى الاسم في الموصوف بهِ الخاص فإن هدى النبي صلى الله عليه وسلم هو أوضح الهدى . وإرشاده أبلغ إرشاد .
روى البخاري في كتاب « التفسير » من صحيحه في الكلام على سورة الفتح عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال : « إن هذه الآية التي في القرآن : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً } قال في التوراة : يأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحِرزاً للأمِّيين ، أنت عبدي ورسولي سمّيتك المتوكِّل ليس بفظّ ولا غليظ ولا صَخَّاب في الأسواق ، ولا يدفع السيِّئة بالسيئة ولكنْ يعْفو ويصفح ( أو وَيغفر ) ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العَوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتحَ ( أو فيفتح ) به أعينا عُمْياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاء » اهـ .
وقول عبد الله بن عمرو « في التوراة » يعني بالتوراة : أسفار التوراة وما معها من أسفار الأنبياء إذ لا يوجد مثل ذلك فيما رأيت من الأسفار الخمسة الأصليّة من التوراة . وهذا الذي حدث به عبد الله بن عَمرو ورأيت مقارِبه في سفر النبي أشعياء من الكتب المعبر عنها بالتوراة تغليباً وهي الكتب المسماة بالعهد القديم ؛ وذلك في الإصحاح الثاني والأربعين منه بتغيير قليل ( أحسب أنه من اختلاف الترجمة أو من تفسيرات بعض الأحبار وتأويلاتهم ) ، ففي الإصحاح الثاني والأربعين منه « هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سُرَّتْ به نفسي ، وَضَعْتُ رُوحي عليه فيُخرج الحق للأمم ، لا يصيح ولا يرفع ولا يُسمع في الشارع صوته ، قصبة مرضوضة لا تقصف ، وفتيلة خامدة لا تطفأ ، إلى الأمان يخرج الحق ، لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر{[329]} شريعته أنا الرب قد دعوتك بالبر فأُمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم لنفتح عيون العُمي لتُخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن ، الجالسين في الظلمة ، أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر » .
وإليك نظائر صفته التي في التوراة من صفاته في القرآن : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً } نظيرها هذه الآية وحرزاً للأميين { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم } سورة [ الجمعة : 2 ] أنت عبدي ورسولي { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } سورة [ الكهف : 1 ] سميتك المتوكل { وتوكل على الله } سورة [ الأحزاب : 3 ] ليس بفظ ولا غليظ { ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( سورة [ آل عمران : 159 ] ولا صخّاب في الأسواق { واغضض من صوتك } سورة [ لقمان : 19 ] ولا يدفع السيئة بالسيئة { وادفع بالتي هي أحسن } سورة [ فصلت : 34 ] ولكن يعفو ويصفح { فاعف عنهم واصفح } سورة [ العقود : 13 ] ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملةَ العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً } سورة [ المائدة : 3 ] ويفتح به أعينا عُمْياً وآذاناً صُمًّا وقلوباً غُلْفاً { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } في سورة [ البقرة : 7 ] في ذكر الذين كفروا مقابلاً لذكر المؤمنين في قوله قبله { هدى للمتقين } الآية [ البقرة : 2 ] .
ولنذكرْ هنا ما في سفر أشعياء ونقحم فيه بيان مقابلة كلماته بالكلمات التي جاءت في حديث عبد الله بن عمَرو .
جاء في الإصحاح الثاني والأربعين من سفر أشعياء : هو ذا عبدي ( أنت عبدي ) الذي أعضده مختاري ( ورسولي ) الذي سُرت به نفسي ، وضَعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم لا يصيح ( ليس بفظّ ) ولا يرفع ( ولا غليظ ) ولا يسمع في الشارع صوته ( ولا صَخَّاب في الأَسواق ) قصبة مرضوضة لا يقصف ( ولا يدفع السيئة بالسيئة ) وفتيلة خامدة لا يَطفا ( يعفو ويصفح ) إلى الأمان يُخرج الحق ( وحرزاً ) لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض ( ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ) وتنتظر الجزائر شريعته ( للأميين ) أنا الرب قد دعوتك بالبر فأُمسكُ بيدِك ( سميتك المتوكل ) وأحفظك ( ولن يقبضه الله ) وأجعلك عهداً للشعب أرسلناك شاهداً ( ونوراً للأمم ) ( مبشراً ) لنفتح عيون العُمي ( ونفتح به أعيناً عمياً ) لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن ( وآذاناً صُمًّا ) الجالسين في الظلمة ( وقلوباً غلفاً ) . أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ( بأن يقولوا لا إله إلا الله ) .
هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، وتكريم لجميعهم . وهذه الآية من أسمائه صلى الله عليه وسلم ست أسماء ولنبينا صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة وسمات جليلة ، ورد ذكرها في الكتاب والسنة والكتب المتقدمة . وقد سماه الله في كتابه محمدا وأحمد . وقال صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه الثقات العدول : ( لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب ) . وفي صحيح مسلم حديث جبير بن مطعم : وقد سماه الله " رؤوفا رحيما " . وفيه أيضا عن أبي موسى الأشعري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء ، فيقول : ( أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة ) . وقد تتبع القاضي أبو الفضل عياض في كتابه المسمى ( بالشفا ) ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول صلى الله عليه وسلم ومما نقل في الكتب المتقدمة{[12852]} ، وإطلاق الأمة أسماء كثيرة وصفات عديدة ، قد صدقت عليه صلى الله عليه وسلم مسمياتها ، ووجدت فيه معانيها . وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه في هذه الآية من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم سبعة وستين اسما وذكر صاحب ( وسيلة المتعبدين إلى متابعة سيد المرسلين ) عن ابن عباس أن لمحمد صلى الله عليه وسلم مائة وثمانين اسما ، من أرادها وجدها هناك . وقال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا ، فبعثهما إلى اليمن ، وقال : ( اذهبا فبشرا ولا تنفرا ، ويسرا ولا تعسرا فإنه قد أنزل عليّ ) وقرأ هذه الآية .
قوله تعالى : " شاهدا " قال سعيد عن قتادة : " شاهدا " على أمته بالتبليغ إليهم ، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم ، ونحو ذلك " ومبشرا " معناه للمؤمنين برحمة الله وبالجنة " ونذيرا " معناه للعصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد . " وداعيا إلى الله " الدعاء إلى الله هو تبليغ التوحيد والأخذ به ، ومكافحة الكفرة . " بإذنه " هنا معناه : بأمره إياك ، وتقديره ذلك في وقته وأوانه . " وسراجا منيرا " هنا استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه . وقيل : " وسراجا " أي هاديا من ظلم الضلالة ، وأنت كالمصباح المضيء . ووصفه بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء ، إذا قل سليطه{[12853]} ودقت فتيلته . وفي كلام بعضهم : ثلاثة تضني : رسول بطيء ، وسراج لا يضيء ، ومائدة ينتظر لها من يجيء . وسئل بعضهم عن الموحشين فقال : ظلام ساتر وسراج فاتر . وأسند النحاس قال : حدثنا محمد بن إبراهيم الرازي قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي قال حدثنا عبد الرحمن ، بن محمد المحاربي عن شيبان النحوي قال حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا . وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا فقال : ( انطلقا فبشرا ولا تعسرا فإنه قد نزل عليّ الليلة آية " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا . ومبشرا ونذيرا - من النار - وداعيا إلى الله - قال - شهادة أن لا إله إلا الله - بإذنه - بأمره - وسراجا منيرا - قال - بالقرآن " . وقال الزجاج : " وسراجا " أي وذا سراج منير ، أي كتاب نير . وأجاز أيضا أن يكون بمعنى : وتاليا كتاب الله .