التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا} (69)

لما تقضى وعيد الذين يؤذون الرسول عليه الصلاة والسلام بالتكذيب ونحوه من الأذى المنبعث عن كفرهم من المشركين والمنافقين من قوله : { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة } [ الأحزاب : 57 ] حذر المؤمنين مما يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم بتنزيههم عن أن يكونوا مثل قوم نَسبوا إلى رسولهم ما هو أذى له وهم لا يعبأون بما في ذلك من إغضابه الذي فيه غضب الله تعالى . ولما كان كثير من الأذى قد يحصل عن غفلة أصحابه عما يوجبه فيصدر عنهم من الأقوال ما تجيش به خواطرهم قبل التدبر فيما يحفّ بذلك من الاحتمالات التي تقلعه وتنفيه ودون التأمل يترتب عليه من إخلال بالواجبات . وكذلك يصدر عنهم من الأعمال ما فيه ورطة لهم قبل التأمل في مغبة عملهم ، نبه الله المؤمنين كي لا يَقعُوا في مثل تلك العنجهية لأن مدارك العقلاء في التنبيه إلى معاني الأشياء وملازماتها متفاوتة المقادير ، فكانت حَرية بالإِيقاظ والتحذير . وفائدة التشبيه تشويه الحالة المشبَّهة لأن المؤمنين قد تقرر في نفوسهم قبْح ما أوذي به موسى عليه السلام بما سبق من القرآن كقوله : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } [ الصف : 5 ] الآية .

والذين آذوا موسى هم طوائف من قومه ولم يكن قصدهم أذاه ولكنهم أهملوا واجب كمال الأدب والرعاية مع أعظم الناس بينهم . وقد حكى الله عنهم ذلك إجالاً وتفصيلاً بقوله : { وإذ قال موسى لقومه } الآية ( فلم يكن هذا الأذى من قبيل التكذيب لأجل قوله : { وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } والاستفهام في قوله : { لم تؤذونني } إنكاري ) . فكان توجيه الخطاب للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مراعى فيه المشابهة بين الحالين في حصول الإِذاية . فالذين آذوا موسى قالوا مرة { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون } [ المائدة : 24 ]

فآذوه بالعصيان وبضرب من التهكم . وقالوا مرة { أَتتَّخِذُنا هزؤا } [ البقرة : 67 ] فنسبوه إلى الطيش ولاسخرية ولذلك قال لهم { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } [ البقرة : 67 ] . وفي التوراة في الإصحاح الرابع عشر من الخروج « وقالوا لموسى فإذا صنعت بنا حتى أخرجتنا

من مصر فإنه خير لنا أن نخدُم المصريين من أن نموت في البرية » . وفي الإصحاجح السادس عشر « وقالوا لموسى وهراون إنكما أخرجتمونا إلى هذا القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع » . وفي الحديث « إن موسى كان رجلاً حييّاً ستِّيراً فقال فريق من قومه : ما

نراه يستتر إلا مِن عاهة فيه . فقال قوم : به برص ، وقال قوم : هو آدر » ونحو هذا ، وكان قريباً من هذا قول المنافقين : إن محمداً تزوج مطلقة ابنه زيد بن حارثة . وقد دلت هذه الآية على وجوب توقير النبيء صلى الله عليه وسلم وتجنب ما يؤذيه وتلك سنة الصحابة والمسلمين وقد عرضَت فلتاتٌ من بعض أصحابه الذين لم يبلغوا قبلها كمال التخلق بالقرآن مثل الذي قال له لما حَكَم بينه وبين الزُبير في ماء شراح الحَرّة : أنْ كان ابنَ عمتِك يا رسول الله . ومثل التميمي خرفوص الذي قال في قسمَة مغانم حُنين : « هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبَر » .

واعلم أن محل الشتبيه هو قوله : { كالذين آذوا موسى } دون ما فرع عليه من قوله : { فبرأه الله مما قالوا } وإنما ذلك إدماج وانتهاز للمقام بذكر براءة موسى مما قالوا ، ولا اتصال له بوجه التشبيه لأن نبيئنا صلى الله عليه وسلم لم يُوذَ إيذاء يقتضي ظهور براءته ما أوذي به .

ومعنى « بَرَّأه » أظهر براءته عيَاناً لأن موسى كان بريئاً مما قالوه من قبل أن يؤذوه بأقوالهم فليس وجود البراءة منه متفرعة على أقوالهم ولكن الله أظهرها عقب أقوالهم فإِن الله أظهر براءته من التغرير بهم إذ أمرهم بدخول أريحا فثبّت قلوبهم وافتتحوها وأظهر

براءته من الاستهزاء بهم إذ أظهر معجزته حين ذبحوا البقرة التي أمرهم بذبحها فتبين من قتل النفس التي ادّارأوا فيها .

وأظهر سلامته من البرص والأدرة حين بدا لهم عرياناً لما انتقل الحجر الذي عليه ثيابه . ومعنى : « برأه مما قالوا » برأه من مضمون قولهم لا من نفس قولهم لأن قولهم قد حصل وأوذي به وهذا كما سموا السُّبة القالة . ونظيره قوله تعالى : { ونرثه ما يقول } [ مريم : 80 ] ،

أي ما دل عليه مقاله وهو قوله : { لأوتين مالاً وولداً } [ مريم : 77 ] أي نرثه ماله وولده . وجملة { وكان عند الله وجيهاً } معترضة في آخر الكلام ومفيدة سبب عناية الله بتبرئته . والوجيه صفة مشبهة ، أي ذو الوجاهة . وهي الجاه وحسن القبول عند الناس . يقال : وجُه الرجل ، بضم الجيم ، وجاهة فهو وجيه . وهذا الفعل مشتق من الاسم الجامد وهو الوجْه الذي للإِنسان ، فمعنى كونه وجيهاً عند الله أنه مرضيّ عنه مقبول مغفور له مستجاب الدعوة .

وقد تقدم قوله تعالى : { وجيهاً في الدنيا والآخرة } في سورة [ آل عمران : 45 ] ، فضُمّه إلى هنا . وذكر فعل { كان } دال على تمكن وجاهته عند الله تعالى . وهذا تسفيه للذين آذوه بأنهم آذوه بما هو مبرأ منه ، وتنويه وتوجيه لتنزيه الله إياه لأنه مستأهل لتلك التبرئة لأنه وجيه عند الله وليس بخامل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا} (69)

لما ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، حذر المؤمنين من التعرض للإيذاء ، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم نبيهم موسى . واختلف الناس فيما أوذي به محمد صلى الله عليه وسلم وموسى ، فحكى النقاش أن أذيتهم محمدا عليه السلام قولهم : زيد بن محمد . وقال أبو وائل : أذيته أنه صلى الله عليه وسلم قسم قسما . فقال رجل من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال : ( رحم الله لقد أوذي لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر . وأما أذية موسى صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس وجماعة : هي ما تضمنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه قال : ( كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه السلام يتستر كثيرا ويخفي بدنه فقال قوم هو آدر{[12932]} وأبرص أو به آفة ، فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام وجعل ثيابه على صخرة ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى عريانا يقول ثوبي حجر ثوبي حجر{[12933]} حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ، فنظروا إليه وهو من أحسنهم خلقا وأعدلهم صورة ، وليس به الذي قالوا فهو قوله تبارك " فبرأه الله مما قالوا " أخرجه البخاري ومسلم بمعناه . ولفظ مسلم : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده فقالوا : والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر قال : فذهب يوما{[12934]} يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال : فجمح{[12935]} موسى عليه السلام بإثره يقول : ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى وقالوا : والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى نظر إليه قال فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا ) قال أبو هريرة : والله إنه بالحجر ندب{[12936]} ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر . فهذا قول . وروي عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال : آذوا موسى بأن قالوا : قتل هارون ؛ وذلك أن موسى وهرون خرجا من فحص{[12937]} التيه إلى جبل فمات هارون فيه ، فجاء موسى فقالت بنو إسرائيل لموسى : أنت قتلته وكان ألين لنا منك وأشد حبا . فآذوه بذلك ، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل ، ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى ، ولم يكن فيه أثر القتل . وقد قيل : إن الملائكة تكليما بموته ولم يعرف موضع قبره إلا الرَّخَم ، وإنه تعالى جعله أصم أبكم . ومات هارون قبل موسى في التيه ، ومات موسى قبل انقضاء مدة التيه بشهرين . وحكى القشيري عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : أن الله تعالى أحيا هارون فأخبرهم أنه لم يقتله ، ثم مات . وقد قيل : إن أذية موسى عليه السلام رميهم إياه بالسحر والجنون . والصحيح الأول . ويحتمل أن فعلوا كل ذلك فبرأه الله من جميع ذلك .

مسألة : في وضع موسى عليه السلام ثوبه على الحجر ودخول في الماء عريانا دليل على جواز ذلك ، وهو مذهب الجمهور . ومنعه ابن أبي ليلى واحتج بحديث لم يصح ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم :( لا تدخلوا الماء إلا بمئزر فإن للماء عامرا ) . قال القاضي عياض : وهو ضعيف عند أهل العلم .

قلت : أما إنه يستحب التستر لما رواه إسرائيل عن عبد الأعلى أن الحسن بن علي دخل غديرا وعليه برد له متوشحا به ، فلما خرج قيل له ، قال : إنما تسترت ممن يراني ولا أراه ، يعني من ربي والملائكة . فإن قيل : كيف نادى موسى عليه السلام الحجر نداء من يعقل ؟ قيل : لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل . و " حجر " منادى مفرد محذوف حرف النداء ، كما قال تعالى : " يوسف أعرض عن{[12938]} هذا " [ يوسف : 29 ] . و " ثوبي " منصوب بفعل مضمر ، التقدير : أعطني ثوبي ، أو اترك ثوبي ، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه .

قوله تعالى : " وكان عند الله وجيها " أي عظيما . والوجيه عند العرب : العظيم القدر الرفيع المنزلة . ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه . وقرأ ابن مسعود : " وكان عبدا لله " . وقيل : معنى " وجيها " أي كلمه تكليما . قال أبو بكر الأنباري في ( كتاب الرد ) : زعم من طعن في القرآن أن المسلمين صحفوا " وكان عند الله وجيها " وأن الصواب عنده " وكان عبدا لله وجيها " وذلك يدل على ضعف مقصده ونقصان فهمه وقلة علمه ، وذلك أن الآية لو حملت على قول وقرئت : " وكان عبدا " نقص الثناء على موسى عليه السلام ، وذلك أن " وجيها " يكون عند أهل الدنيا وعند أهل زمانه وعند أهل الآخرة ، فلا يوقف على مكان المدح ، لأنه إن كان وجيها عند بني الدنيا كان ذلك إنعاما من الله عليه لا يبين عليه معه ثناء من الله . فلما أوضح الله تعالى موضع المدح بقوله : " وكان عند الله وجيها " استحق الشرف وأعظم الرفعة بأن الوجاهة عند الله ، فمن غير اللفظ صرف عن نبي الله أفخر الثناء وأعظم المدح .


[12932]:الأدرة (وزان الغرفة): انتفاخ الخصية.
[12933]:أي دع ثوبي يا حجر.
[12934]:في مسلم:" مرة ".
[12935]:جرى أشد الجري.
[12936]:الندب (بالتحريك): أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب في الحجر.
[12937]:قال ياقوت: الفحص كل موضع يسكن سهلا كان أو جبلا بشرط أن يزرع. والتيه: هو الموضع الذي ضل فيه موسى بن عمران عليه السلام وقومه. وهو أرض بين أيلة (العقبة) ومصر وبحر القلزم (البحر الحمر). وهو الآن قلب شبه جزيرة طور سينا.
[12938]:راجع ج 9 ص 175.