التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ} (45)

تخلص الكلام من عدم انتفاعهم بالآيات الدالة على وحدانية الله إلى عدم انتفاعهم بالأقوال المبلَّغة إليهم في القرآن من الموعظة ، والتذكير بما حلّ بالأمم المكذبة أن يصيبهم مثلُ ما أصابهم ، وبعدم انتفاعهم بتذكير القرآن إياهم بالأدلة على وحدانية الله ، وعلى البعث .

وبناء فعل { قِيلَ } للمجهول لظهور أن القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله تعالى ، أي قيل لهم في القرآن .

وما بين الأيدي يراد منه المستقبل ، وما هو خلف يراد منه الماضي ، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : { مصدقاً لما بين يديَّ من التوراة } [ آل عمران : 50 ] ، أي ما تقدمني . وذلك أن أصل هذين التركيبين تمثيلان فتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف إليه بسائر إلى مكان فالذي بين يديه هو ما سيرد هو عليه ، والذي من ورائه هو ما خلَّفه خلْفه في سيره ، وتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف بسائر ، فهو إذا كان بين يدي المضاف إليه فقد سبقه في السير فهو سَابق له وإذا كان خلف المضاف إليه فقد تأخر عنه فهو وارد بعده .

وقد فسرت هذه الآية بالوجهين فقيل : ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما خلفكم من أحوال الأمم في الدنيا ، وهو عن مجاهد وابن جبير عن ابن عباس . وقيل : ما بين أيديكم أحوال الأمم في الدنيا وما خلفكم من أحوال الآخرة وهو عن قتادة وسفيان . ومتى حمل أحد الموصولَين على ما سبق من أحوال الأمم وجب تقدير مضافين قبل { ما } الموصولة هما المفعول ، أي اتقوا مثلَ أحوال ما بين أيديكم ، أو مثل أحوال ما خلفكم ، ولا يقدر مضافان في مقابله لأن مَا صْدَق { ما } الموصولة فيه حينئذٍ هو عذاب الآخرة فهو مفعول { اتَّقُوا } . وتقدم قوله تعالى : { فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها } في سورة البقرة ( 66 ) .

و ( لعلّ ) للرجاء ، أي ترجى لكم رحمة الله ، لأنهم إذا اتقوا حذروا ما يوقع في المتقى فارتكبوا واجتنبوا وبادروا بالتوبة فيما فرط فرضي ربهم عنهم فرحِمهم بالثواب وجنّبهم العقاب . والكلام في ( لعل ) الواردة في كلام الله تعالى تقدم عند قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } في سورة البقرة ( 21 ) .

وجواب { إذا } محذوف دل عليه قوله في الجملة المعطوفة { إلاَّ كَانُوا عنها مُعْرِضِينَ } . فالتقدير هنا : كانوا معرضين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ} (45)

قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم } قال قتادة : يعني { اتقوا ما بين أيديكم } أي : من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم ، { وما خلفكم } من الآخرة . ابن عباس وابن جبير ومجاهد : { ما بين أيديكم } ما مضى من الذنوب ، { وما خلفكم } ما يأتي من الذنوب . الحسن : { ما بين أيديكم } ما مضى من أجلكم { وما خلفكم } ما بقي منه . وقيل : { ما بين أيديكم } من الدنيا ، { وما خلفكم } من عذاب الآخرة ؛ قال سفيان ، وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ابن عباس . قال : { ما بين أيديكم } من أمر الآخرة وما عملوا لها ، { وما خلفكم } من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها . وقيل : { ما بين أيديكم } ما ظهر لكم { وما خلفكم } ما خفي عنكم . والجواب محذوف .