التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ} (49)

وفعل { يَنظُرُونَ } مشتق من النَّظِرة وهو الترقب ، وتقدم في قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة في سورة } [ الأنعام : 158 ] .

والصيحة : الصوت الشديد الخارج من حلق الإِنسان لزجر ، أو استغاثة . وأطلقت الصيحة في مواضع في القرآن على صوت الصاعقة كما في قوله تعالى في شأن ثمود : { فأخذتهم الصيحة } [ الحجر : 73 ] . فالصيحة هنا تحتمل المجاز ، أي ما ينتظرون إلا صعقة أو نفخة عظيمة . والمراد النفخة الأولى التي ينقضي بها نظام الحياة في هذا العالم ، والأخرى تنشأ عنها النشأة الثانية وهي الحياة الأبدية ، فيكون أسلوب الكلام خارجاً على الأسلوب الحكيم إعراضاً عن جوابهم لأنهم لم يقصدوا حَقيقة الاستفهام فأجيبوا بأن ما أعد لهم من العذاب هو الأجدر بأن ينتظروه .

ومعنى { تأخُذُهُم } تُهلكهم فجأة ، شبه حلول صيحة العقاب بحلول المُغِيرين على الحيّ لأخذ أنعامه وسَبْي نِسائه ، فأطلق على ذلك الحلوللِ فعل { تأخُذُهُم } كقوله تعالى : { فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } [ الحاقة : 10 ] أي تحلّ بهم وهم يختصمون . وإسناد الأخذ إلى الصيحة حقيقة عقلية لأنهم يهلكون بصعقتها .

ويحتمل أن تكون الصيحة على حقيقتها وهي صيحة صائحين ، أي ما ينتظرون إلا أن يصاح بهم صيحة تنذر بحلول القتل ، فيكون إنذاراً بعذاب الدنيا . ولعلها صيحة الصارخ الذي جاءهم بخبر تعَرّض المسلمين لركب تجارة قريش في بدر .

و { يَخصّمُونَ } من الخصومة والخصام وهو الجدال ، وتقدم في قوله : { ولا تكن للخائنين خصيماً } في سورة النساء } ( 105 ) ، وقوله : { هذان خصمان } في سورة الحج } ( 19 ) . وأصله : يختصمون فوقع إبدالُ التاء ضاداً لقرب مخرجيهما طلباً للتخفيف بالإِدغام .

واختلَف القراء في كيفية النطق بها ، فقرأه الجميع بفتح الياء واختلفوا فيما عدا ذلك : فقرأ ورش عن نافع وابنُ كثير وأبو عمرو في رواية عنه { يَخصّمُونَ } بتشديد الصاد مكسورة على اعتبار التاء المبدلة صاداً والمسَكَّنةُ لأجل الإِدغام ، ألقيت حركتُها على الخاء التي كانت ساكنة . وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو في المشهور عنه بسكون الخاء سكوناً مختلَساً ( بالفتح ) لأجل التخلص من التقاء الساكنين وبكسر الصاد مشدّدة .

وقرأه عاصم والكسائي وابنُ ذكوان عن ابن عامر ويعقوبُ وخلف { يَخصّمُونَ } بكسر الخاء وكسر الصاد مشدّدة . وقرأه حمزة { يخْصِمون } بسكون الخاء وكسر الصاد مخففة مضارع ( خَصم ) قيل بمعنى جادل . وقرأ أبو جعفر { يخْصِّمون } بإسكان الخاء وبكسر الصاد مشددة على الجمع بين الساكنين .

والاختصام : اختصامهم في الخروج إلى بدر أو في تعيين من يخرج لما حلّ بهم من مفاجآت لهم وهم يختصمون بين مصدق ومكذب للنذير . وإسناد الأخذ إلى الصيحة على هذا التأويل مجاز عقلي لأن الصيحة وقت الأخذ وإنما تأخذهم سيوف المسلمين . وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : { وهُمْ يَخصّمُونَ } لإِفادة تقوّي الحكم وهو أن الصيحة تأخذهم .

وفرع على { تأخُذُهُمْ } جملة { فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً } أي لا يتمكنون من توصية على أهليهم وأموالهم من بعدهم كما هو شأن المحْتضَر ، فإن كان المراد من الصيحة صيحة الواقعة كان قوله : { فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً } كناية عن شدة السرعة بين الصيحة وهلاكهم ، إذ لا يكون المراد مدلوله الصريح لأنهم لا يتركون غيرهم بعدهم إذ الهلاك يأتي على جميع الناس .

وإن كان المراد من الصيحة صيحة القتال كان المعنى : أنهم يفزعون إلى مواقع القتال يوم بدر ، أو إلى ترقب وصول جيش الفتح يوم الفتح فلا يتمكنون من الحديث مع من يُوصُونه بأهليهم .

والتوصية : مصدر وَصَّى المضاعف وتنكيرها للتقليل ، أي لا يستطيعون توصية ما .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ} (49)

قال الله تعالى : { ما ينظرون } أي : ما ينتظرون { إلا صيحة واحدة } : وهي نفخة إسرافيل { تأخذهم وهم يخصمون } أي : يختصمون في أمور دنياهم فيموتون في مكانهم ، وهذه نفخة الصعق . وفي " يخصمون " خمس قراءات : قرأ أبو عمرو وابن كثير : " وهم يخصمون " بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد . وكذا روى ورش عن نافع . فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فرووا عنه " يخصمون " بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع ببن ساكنين . وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة : " وهم يخصمون " بإسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه . وقرأ عاصم والكسائي " وهم يخصمون " بكسر الخاء وتشديد الصاد ، ومعناه يخصم بعضهم بعضا . وقيل : تأخذهم وهم عند أنفسهم يختصمون في الحجة أنهم لا يبعثون . وقد روى ابن جبير عن أبي بكر عن عاصم ، وحماد عن عاصم كسر الياء والخاء والتشديد . قال النحاس : القراءة الأولى أبينها ، والأصل فيها يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنقلت حركتها إلى الخاء . وفي حرف أبي " وهم يختصمون " - وإسكان الخاء لا يجوز ؛ لأنه جمع بين ساكنين وليس أحدهما حرف مد ولين . وقيل : أسكنوا الخاء على أصلها ، والمعنى يخصم بعضهم بعضا فحذف المضاف ، وجاز أن يكون المعنى يخصمون مجادلهم عند أنفسهم فحذف المفعول . قال الثعلبي : وهي قراءة أبي بن كعب . قال النحاس : فأما " يخصمون " فالأصل فيه أيضا يختصمون ، فأدغمت التاء في الصاد ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين . وزعم الفراء أن هذه القراءة أجود وأكثر ، فترك ما هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء واجتلب لها حركة أخرى وجمع بين ياء وكسرة ، وزعم أنه أجود وأكثر . وكيف يكون أكثر وبالفتح قراءة الخلق من أهل مكة وأهل البصرة وأهل المدينة ! وما روي عن عاصم من كسر الياء والخاء فللإتباع . وقد مضى هذا في " البقرة " {[13223]} في " يخطف أبصارهم " [ البقرة : 20 ] وفي " يونس " {[13224]} " يهدي " [ يونس : 35 ] . وقال عكرمة في قوله جل وعز : { إلا صيحة واحدة } قال : هي النفخة الأولى في الصور . وقال أبو هريرة : ينفخ في الصور والناس في أسواقهم : فمن حالب لقحة ، ومن ذارع ثوبا ، ومن مار في حاجة . وروى نعيم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فلا يطويانه حتى تقوم الساعة ، والرجل يليط{[13225]} حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة ، والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم الساعة ، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما يبتلعها حتى تقوم الساعة ) . وفي حديث عبد الله بن عمرو : ( وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله - قال - فيصعق ويصعق الناس ) الحديث .


[13223]:انظر ج 1 ص 192 طبعة ثانية أو ثالثة.
[13224]:راجع ج 8 ص 341 طبعة أولى أو ثانية.
[13225]:يليط حوضه وفي رواية يلوط حوضه أي يطينه.