التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ} (41)

انتقال من عدّ آيات في الأرض وفي السماء إلى عد آية في البحر تجمع بين العبرة والمنة وهي آية تسخير الفُلْك أن تسير على الماء وتسخير الماء لتطفو عليه دون أن يغرقها .

وقد ذكَّر الله الناس بآية عظيمة اشتهرت حتى كانت كالمشاهدة عندهم وهي آية إلهام نوح صنع السفينة ليحمل الناس الذين آمنوا ويحمل من كل أنواع الحيوان زوجين لينجي الأنواع من الهلاك والاضمحلال بالغرق في حادث الطوفان . ولما كانت هذه الآية حاصلة لفائدة حمل أزواج من أنواع الحيوان جُعلت الآية نفس الحمل إدماجاً للمنة في ضمن العبرة فكأنه قيل : وآية لهم صنع الفُلك لنحمل ذرياتهم فيه فحملناهم .

وأطلق الحَمل على الإِنجاء من الغرق على وجه المجاز المرسل لعلاقة السببية والمسببية ، أي أنجينا ذرياتهم من الغرق بحملهم في الفُلك حين الطوفان .

والذريات : جمع ذرية وهي نسل الإِنسان . و { الفلك المشحون } : هو المعهود بين البشر في قصة الطوفان ، وهو هنا مفرد بقرينة وصفه بالمفرد وهو { المَشْحُونِ } ولم يقل : المشحونة كما قال : { وترى الفلك فيه مواخر } [ فاطر : 12 ] وهو فلك نوح فقد اشتهر بهذا الوصف في القرآن كما في سورة الشعراء ( 119 ) { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } ولم يوصف غير فلك نوح بهذا الوصف .

وتعدية { حَمَلْنَا } إلى الذريات تعدية على المفعولية المجازية وهو مجاز عقلي فإن المجاز العقلي لا يختص بالإِسناد بل يكون المجاز في التعليق فإن المحمول أصول الذريات لا الذريات وأصولها ملابسة لها .

ولما كانت ذريات المخاطبين مما أراد الله بقاءه في الأرض حين أمر نوحاً بصنع الفلك لإِنجاء الأنواع وأمره بحمل أزواج من الناس هم الذين تولد منهم البشر بعد الطوفان نُزّل البشر كله منزلة محمولين في الفلك المشحون في زمن نوح ، وذكر الذريات يقتضي أن أصولهم محمولون بطريق الكناية إيجازاً في الكلام ، وأن أنفسهم محمولون كذلك كأنه قيل : إنا حملنا أُصولهم وحملناهم وحملنا ذرياتهم ، إذ لولا نجاة الأصول ما جاءت الذريّات ، وكانت الحكمة في حمل الأصول بقاء الذريات فكانت النعمة شاملة للكل ، وهذا كالامتنان في قوله : { إنّا لمّا طغى الماءُ حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة } [ الحاقة : 11 ، 12 ] .

وضمير { ذُرَّيَاتَهُم } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { لَهُمْ } أي العباد المراد بهم المشركون من أهل مكة لكنهمْ لوحظوا هنا بعنوان كونهم من جملة البشر ، فالمعنى : آية لهم أنا حملنا ذريات البشر في سفينة نوح وذلك حين أمر الله نوحاً بأن يحمل فيها أهله والذين آمنوا من قومه لبقاء ذريات البشر فكان ذلك حملاً لذرياتهم ما تسلسلت كما تقدم آنفاً .

هذا هو تأويل هذه الآية قال القرطبي : وهي من أشكل ما في السورة ، وقال ابن عطية : « قد خلط بعض الناس حتى قالوا : الذرية تطلق على الآباء وهذا لا يعرف من اللغة » وتقدم قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } في سورة الأعراف ( 172 ) . f

وقرأ نافع وابن عامر { ذرياتهم } بلفظ الجمع . وقرأه الباقون بدون ألف بصيغة اسم الجمع ، والمعنى واحد . وقد فهم من دلالة قوله : { أنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّاتَهُمْ } صريحاً وكناية أن هذه الآية مستمرة لكل ناظر إذ يشهدون أسفارهم وأسفار أمثالهم في البحر وخاصة سكان الشطوط والسواحل مثل أهل جُدة وأهل يُنْبُع إذ يسافرون إلى بلاد اليمن وبلاد الحبشة فيفهم منه : أنا حملنا ونحمل وسنحمل أسلافهم وأنفسهم وذرياتهم . وقد وصف طرفة السفن في معلّقته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ} (41)

قوله تعالى : " وآية لهم " يحتمل ثلاثة معان : أحدها عبرة لهم ؛ لأن في الآيات اعتبارا . الثاني نعمة عليهم ؛ لأن في الآيات إنعاما . الثالث إنذار لهم ؛ لأن في الآيات إنذارا . " أنا حملنا ذريتهم{[13218]} في الفلك المشحون " من أشكل ما في السورة ؛ لأنهم هم المحمولون . فقيل : المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية " في الفلك المشحون " فالضميران مختلفان . ذكره المهدوي . وحكاه النحاس عن علي بن سليمان أنه سمعه يقول . وقيل : الضميران جميعا لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم ، فالفلك على القول الأول سفينة نوح . وعلى الثاني يكون اسما للجنس ، خبّر جل وعز بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذمة والضعفاء ، فيكون الضميران على هذا متفقين . وقيل : الذرية الآباء والأجداد ، حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام ، فالآباء ذرية والأبناء ذرية ، بدليل هذه الآية ، قاله أبو عثمان . وسمي الآباء ذرية ؛ لأن منهم ذرأ الأبناء . وقول رابع : أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيها بالفلك المشحون . قاله علي بن أبى طالب رضي الله عنه . ذكره الماوردي . وقد مضى في " البقرة " {[13219]} اشتقاق الذرية والكلام فيها مستوفى . و " المشحون " المملوء الموقر ، و " الفلك " يكون واحدا وجمعا . وقد تقدم في " يونس " {[13220]} القول فيه .


[13218]:" ذرياتهم" بالجمع قراءة نافع.
[13219]:راجع ج 2 ص 107 وما بعدها طبعة ثانية.
[13220]:راجع ج 8 ص 324 طبعة أولى أو ثانية.