التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ} (15)

يجيء على مَا فسر به جميع المفسرين قولَه { ربنا اكشف عنا العذاب } [ الدخان : 12 ] ، أن هذه الجملة جواب لسؤالهم ، ويجيء على ما درجنا عليه أن تكون هذه الجملة إعلاماً للنبيء صلى الله عليه وسلم بأنْ يُكشَف العذابُ المتوعَّد به المشركون مدةً ، فيعودون إلى ما كانوا فيه ، وعليه فضمير { إنكم عائدون } التفات إلى خطاب المشركين ، أي يُمسكون عن ذلك مدة وهي المدة التي أرسلوا فيها وفْدَهم إلى المدينة ليسأل الرسولَ صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله بكشف القحط عنهم فإنهم أيامئذٍ يمسكون عن الطعن والذمّ رجاء أن يدعو لهم ثم يعودون لما كانوا فيه ، كما قال تعالى : { وإذا مَسّ الإنسانَ ضرٌّ دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوّله نعمةً منه نَسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله } [ الزمر : 8 ] كما اقتضى أن العذاب عائد إليهم بعد عودتهم إلى ما كانوا فيه من أسباب إصابتهم بالعذاب .

فمعنى { إنا كاشفوا العذاب } : إنا كاشفوه في المستقبل بقرينة قوله قبله { فارتَقب يوم تأتي السماء بدخاننٍ مبينٍ } [ الدخان : 10 ] المقتضي أنه يحصل في المستقبل ، والآية متصل بعضها ببعض وكذلك معنى { إنكم عائدون } ، أي في المستقبل . واسم الفاعل يكون مراداً به الحصول في المستقبل بالقرينة . روي أنهم كشف عنهم القحط بعد استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم فحيُوا وحييت أنعامهم ثم عادُوا فعاودهم القحط كمال سبع سنين ، ولعلها عقبها فتحُ مكة .

وجملة { إنكم عائدون } مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنهم إذا سمعوا { إنا كاشفوا العذاب قليلاً } تطلّعوا إلى ما سيكون بعدَ كشفه ، وتطلعَ المؤمنون إلى ما تصير إليه حال المشركين بعد كشف العذاب هل يقلعون عن الطعن فكان قوله : { إنكم عائدون } مبيناً لما يتساءلون همخ .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ} (15)

قوله تعالى : " إنا كاشفوا العذاب قليلا " أي وقتا قليلا ، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا ، أي في زمان قليل ليعلم أنهم لا يفون بقولهم ، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه . قاله ابن مسعود . فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى لهم الله عليه وسلم عادوا إلى تكذيبه . ومن قال : إن الدخان منتظر قال : أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية من آيات قيام الساعة . ثم من قضي عليه بالكفر يستمر على كفره . ومن قال هذا في القيامة قال : أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر . وقيل : معنى " إنكم عائدون " إلينا ، أي مبعوثون بعد الموت . وقيل : المعنى " إنكم عائدون " إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا .