التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} (16)

هذا هو الانتقام الذي وُعد به الرسول صلى الله عليه وسلم وتُوعِّد به أيمة الكفر . والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله : { إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون } [ الدخان : 15 ] فإن السامع يُثار في نفسه سؤال عن جزائهم حيث يعودون إلى التولي والطعْن فأجيب بأن الانتقام منهم هو البطشة الكبرى ، وهي الانتقام التامّ ، ولأجل هذا التطلع والتساؤل أكدَا بخبر بحرف التأكيد دفعاً للتردد .

وأصل تركيب الجملة : إنا منتقمون يوم نبطش البطشة الكبرى ، ف { يوم } منصوب على المفعول فيه لاسم الفاعل وهو { منتقمون } .

وتقدم على عامله للاهتمام به لِتهويله ولا يمنع من هذا التعليق أن العامل في الظرف خبر عن ( إنَّ ) بناء على الشائع من كلام النحاة أن ما بعد ( إنَّ ) لا يعمل فيما قبلها فإن الظروف ونحوها يتوسع فيها .

و { البطشة الكبرى } : هي بطشة يوم بدر فإن ما أصاب صناديد المشركين يومئذٍ كان بطشة بالشرك وأهلِه لأنهم فقدوا سادتهم وذوي الرأي منهم الذين كانوا يسيّرون أهل مكة كما يريدون .

والبطشة : واحدة البطش وهو : الأخذ الشديد بعنف ، وتقدم في قوله تعالى : { أم لهم أيد يبطشون بها } في سورة الأعراف ( 195 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} (16)

قوله تعالى : " يوم " محمول على ما دل عليه " منتقمون " ، أي ننتقم منهم يوم نبطش . وأبعده بعض النحويين بسبب أن ما بعد " إن " لا يفسر ما قبلها . وقيل : إن العامل فيه " منتقمون " . وهو بعيد أيضا ؛ لأن ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها . ولا يحسن تعلقه بقوله : " عائدون " ولا بقوله : " إنا كاشفوا العذاب " ؛ إذ ليس المعنى عليه . ويجوز نصبه بإضمار فعل ، كأنه قال : ذكرهم أو أذكر . ويجوز أن يكون المعنى فإنهم عائدون ، فإذا عدتم أنتقم منكم يوم نبطش البطشة الكبرى . ولهذا وصل هذا بقصة فرعون ، فإنهم وعدوا موسى الإيمان إن كشف عنهم العذاب ، ثم لم يؤمنوا حتى غرقوا . وقيل : " إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون " كلام تام . ثم ابتدأ : " يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون " أي ننتقم من جميع الكفار . وقيل : المعنى وارتقب الدخان وارتقب يوم نبطش ، فحذف واو العطف ، كما تقول : اتق النار اتق العذاب . و " البطشة الكبرى " في قول ابن مسعود : يوم بدر . وهو قول ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والضحاك . وقيل : عذاب جهنم يوم القيامة ، قاله الحسن وعكرمة وابن عباس أيضا ، واختاره الزجاج . وقيل : دخان يقع في الدنيا ، أو جوع أو قحط يقع قبل يوم القيامة . الماوردي : ويحتمل أنها قيام الساعة ؛ لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا . ويقال : انتقم الله منه ، أي عاقبه . والاسم منه النقمة{[13715]} والجمع النقمات . وقيل بالفرق بين النقمة والعقوبة ، فالعقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة . والنقمة قد تكون قبلها . قاله ابن عباس . وقيل : العقوبة ما تقدرت والانتقام غير مقدر .


[13715]:في كتب اللغة:" النقمة بالكسر والفتح وكفرحة جمع نقم ككلم وعنب وكلمات".