ومعنى الفعل في { أنزلناه } ابتداء إنزاله فإن كل آية أو آيات تنزل من القرآن فهي منضمة إليه انضمام الجزء للكل ، ومجموع ما يبلغ إليه الإنزال في كل ساعة هو مسمّى القرآن إلى أن تم نزول آخر آية من القرآن .
وتنكير { ليلة } للتعظيم ، ووصفها ب { مباركة } تنويه بها وتشويق لمعرفتها . فهذه الليلة هي الليلة التي ابتدُىء فيها نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في الغار من جَبل حِرَاءٍ في رمضان قال تعالى : { شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن } [ البقرة : 185 ] .
والليلة التي ابتدىء نزول القرآن فيها هي ليلة القدر قال تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } [ القدر : 1 ] . والأصح أنها في العشر الأواخر من رمضان وأنها في ليلة الوتر . وثبت أن الله جعل لنظيرتها من كل سنة فضلاً عظيماً لكثرة ثواب العبادة فيها في كل رمضان كرامة لذكرى نزول القرآن وابتداء رسالة أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم إلى النّاس كافة . قال تعالى : { تنزَّل الملائكةُ والروحُ فيها بإذن ربّهم من كل أمرٍ سلامٌ هي حتى مطلع الفجر } [ القدر : 4 ، 5 ] . وذلك من معاني بركتها وكم لها من بركات للمسلمين في دينهم ، ولعل تلك البركة تسري إلى شؤونهم الصالحة من أمور دنياهم .
فبركة الليلة التي أنزل فيها القرآن بركة قدَّرها الله لها قبل نزول القرآن ليكون القرآن بابتداء نزوله فيها مُلابساً لوقت مبارك فيزداد بذلك فضلاً وشرفاً ، وهذا من المناسبات الإلهية الدقيقة التي أنبأنا الله ببعضها . والظاهر أن الله أمدّها بتلك البركة في كل عام كما أومأ إلى ذلك قوله : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } إذ قاله بعد أن مضى على ابتداء نزول القرآن بضْعَ عشرة سنة . وقولُه { ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهرٍ } [ القدر : 3 ] وقوله { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر وقوله : { فيها يفرق كل أمر حكيم } . وعن عكرمة : أن الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان وهو قول ضعيف .
واختلف في الليلة التي ابتدىء فيها نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم من ليالي رمضان ، فقيل : هي ليلة سبعَ عشرة منه ذكره ابن إسحاق عن الباقر أخذاً من قوله تعالى : { إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } [ الأنفال : 41 ] فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة صبيحة سبعَ عشرة ليلة من رمضان اهـ . أي تأول قوله : { وما أنزلنا على عبدنا } [ الأنفال : 41 ] أنه ابتداء نزول القرآن . وفي المراد ب { ما أنزلنا } احتمالات ترفع الاحتجاج بهذا التأويل بأن ابتداء نزول القرآن كان في مثل ليلة يوم بدر .
والذي يجب الجزم به أن ليلة نزول القرآن كانت في شهر رمضان وأنه كان في ليلة القدر . ولما تضافرت الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر « اطلبوها في العشر الأواخر من رمضان في ثالثة تبقى في خامسة تبقى في سابعة تبقى في تاسعة تبقى » . فالذي نعتمده أن القرآن ابتدىء نزوله في العشر الأواخر من رمضان ، إلاّ إذا حُمل قول النبي صلى الله عليه وسلم « اطلبوها في العشر الأواخر » على خصوص الليلة من ذلك العام . وقد اشتهر عند كثير من المسلمين أنّ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين باستمرار وهو مناف لحديث « اطلبوها في العشر الأواخر » على كل احتمال .
وجملة { إنا كنا منذرين } معترضة . وحرف ( إنَّ ) يجوز أن يكون للتأكيد ردًّا لإنكارهم أن يكون الله أرسل رسلاً للناس لأن المشركين أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بزعمهم أن الله لا يرسل رسولاً من البشر قال تعالى : { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } [ الأنعام : 91 ] ، فكان ردّ إنكارهم ذلك ردًّا لإنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فتكون جملة { إنا كنّا منذرين } مستأنفة . ويجوز أن تكون ( إنَّ ) لمجرد الاهتمام بالخبر فتكون مغنية غناء فاء التسبب فتفيد تعليلاً ، فتكون جملة { إنا كنا منذرين } تعليلاً لجملة { أنزلناه } أي أنزلناه للإنذار لأن الإنذار شأننا ، فمضمون الجملة علة العلة وهو إيجاز وإنما اقتصر على وصف { منذرين } مع أن القرآن منذر ومُبشّر اهتماماً بالإنذار لأنه مقتضى حال جمهور الناس يومئذٍ ، والإنذار يقتضي التبشير لمن انتذر . وحذف مفعول { منذرين } لدلالة قوله : { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } عليه ، أي منذرين المخاطبين بالقرآن .
إن جعلت " حم " جواب القسم تم الكلام عند قوله : " المبين " ثم تبتدئ " إنا أنزلناه " . وإن جعلت " إنا كنا منذرين " جواب القسم الذي هو " الكتاب " وقفت على " منذرين " وابتدأت " فيها يفرق كل أمر حكيم " . وقيل : الجواب " إنا أنزلناه " ، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به ، ولا تكون صفة المقسم به جوابا للقسم ، والهاء في " أنزلناه " للقرآن . ومن قال : أقسم بسائر الكتب فقوله : " إنا أنزلناه " كنى به عن غير القرآن ، على ما تقدم بيانه في أول " الزخرف " {[13712]} والليلة المباركة ليلة القدر . ويقال : ليلة النصف من شعبان ، ولها أربعة أسماء الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصك ، وليلة القدر . ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب . وروى قتادة عن واثلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان ) . ثم قيل : أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة . ثم أنزل نجما نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب . وقيل : كان ينزل في كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة . وقيل : كان ابتداء الإنزال في هذه الليلة . وقال عكرمة : الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان . والأول أصح لقوله تعالى : " إنا أنزلناه في ليلة القدر " [ القدر : 1 ] . قال قتادة وابن زيد : أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا ، ثم أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة . وهذا المعنى قد مضى في " البقرة " {[13713]} عند قوله تعالى : " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " [ البقرة : 185 ] ، ويأتي آنفا إن شاء الله تعالى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.