التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سميت هذه السورة { حم الدخان } . روى الترمذي بسندين ضعيفين يعضد بعضهما بعضا : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " من قرأ حم الدخان في ليلة أو في ليلة الجمعة " الحديث .

واللفظان بمنزلة اسم واحد لأن كلمة { حم } غير خاصة بهذه السورة فلا تعد علما لها ، ولذلك لم يعدها صاحب الإتقان في عداد السور ذوات أكثر من اسم .

وسميت في المصاحف وفي كتب السنة ( سورة الدخان ) .

ووجه تسميتها بالدخان وقوع لفظ الدخان فيها المراد به آية من آيات الله أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فلذلك سميت به اهتماما بشأنه ، وإن كان لفظ { الدخان } بمعنى آخر قد وقع في سورة { حم تنزيل } في قوله { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } وهي نزلت قبل هذه السورة على المعروف من ترتيب تنزيل سور القرآن عن رواية جابر بن زيد التي اعتمدها الجعبري وصاحب الإتقان على أن وجه التسمية لا يوجبها .

وهي مكية كلها في قول الجمهور . قال ابن عطية : هي مكية لا أحفظ خلافا في شيء منها . ووقع في الكشاف استثناء قوله { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } ولم يعزه إلى قائل ، ومثله القرطبي ، وذكره الكواشي قولا وما عزاه إلى معين .

وأحسب أنه قول نشأ عما فهمه القائل ، وسنبينه في موضعه .

وهي السورة الثالثة والستون في عد نزول السور في قول جابر بن زيد ، نزلت بعد سورة الزخرف وقبل سورة الجاثية في مكانها هذا .

وعدت آيها ستا وخمسين عند أهل المدينة ومكة والشام ، وعدت عند أهل البصرة سبعا وخمسين ، وعند أهل الكوفة تسعا وخمسين .

أغراضها

أشبه افتتاح هذه السورة فاتحة سورة الزخرف من التنويه بشأن القرآن وشرفه وشرف وقت ابتداء نزوله ليكون ذلك مؤذنا أنه من عند الله ودالا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وليتخلص منه إلى أن المعرضين عن تدبر القرآن ألهاهم الاستهزاء واللمز عن التدبر فحق عليهم دعاء الرسول بعذاب الجوع ، إيقاظا لبصائرهم بالأدلة الحسية حين لم تنجع فيهم الدلائل العقلية ، ليعلموا أن إجابة الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه أرسله ليبلغ عنه مراده .

فأنذرهم بعذاب يحل بهم علاوة على ما دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم تأييدا من الله له بما هو زائد على مطلبه .

وضرب لهم مثلا بأمم أمثالهم عصوا رسل الله إليهم فحل بهم من العقاب من شأنه أن يكون عظة لهؤلاء ، تفصيلا بقوم فرعون مع موسى ومؤمني قومه ، ودون التفصيل بقوم تبه ، وإجمالا وتعميما بالذين من قبل هؤلاء .

وإذ كان إنكار البعث وإحالته من أكبر الأسباب التي أغرتهم على إهمال التدبر في مراد الله تعالى انتقل الكلام إلى إثباته والتعريف بما يعقبه من عقوبة المعاندين ومثوبة المؤمنين ترهيبا وترغيبا .

وأدمج فيها فضل الليلة التي أنزل فيها القرآن ، أي ابتدئ إنزاله وهي ليلة القدر .

وأدمج في خلال ذلك ما جرت إليه المناسبات من دلائل الوحدانية وتأييد الله من آمنوا بالرسل ، ومن إثبات البعث .

وختمت بالشد على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بانتظار النصر وانتظار الكافرين القهر .

القولُ في نظائره تقدم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الدخان مكية باتفاق ، إلا قوله تعالى : " إنا كاشفوا العذاب قليلا " {[1]} [ الدخان : 15 ] . وهي سبع وخمسون آية . وقيل تسع . وفي مسند الدارمي عن أبي رافع قال : ( من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له وزوج من الحور العين ) رفعه الثعلبي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له ) . وفي لفظ آخر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قرأ الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك ) . وعن أبي أمامة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة ) .

إن جعلت " حم " جواب القسم تم الكلام عند قوله : " المبين " ثم تبتدئ " إنا أنزلناه " . وإن جعلت " إنا كنا منذرين " جواب القسم الذي هو " الكتاب " وقفت على " منذرين " وابتدأت " فيها يفرق كل أمر حكيم " . وقيل : الجواب " إنا أنزلناه " ، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به ، ولا تكون صفة المقسم به جوابا للقسم ، والهاء في " أنزلناه " للقرآن . ومن قال : أقسم بسائر الكتب فقوله : " إنا أنزلناه " كنى به عن غير القرآن ، على ما تقدم بيانه في أول " الزخرف " {[13712]} والليلة المباركة ليلة القدر . ويقال : ليلة النصف من شعبان ، ولها أربعة أسماء الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصك ، وليلة القدر . ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب . وروى قتادة عن واثلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان ) . ثم قيل : أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة . ثم أنزل نجما نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب . وقيل : كان ينزل في كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة . وقيل : كان ابتداء الإنزال في هذه الليلة . وقال عكرمة : الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان . والأول أصح لقوله تعالى : " إنا أنزلناه في ليلة القدر " [ القدر : 1 ] . قال قتادة وابن زيد : أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا ، ثم أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة . وهذا المعنى قد مضى في " البقرة " {[13713]} عند قوله تعالى : " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " [ البقرة : 185 ] ، ويأتي آنفا إن شاء الله تعالى .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[13712]:راجع ص 61 من هذا الجزء.
[13713]:آية 185 راجع ج 2 ص 290 طبعة ثانية.