التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (5)

وانتصب { أمراً من عندنا } على الحال من { أمر حكيم } .

وإعادة كلمة { أمراً } لتفخيم شأنه ، وإلا فإن المقصود الأصلي هو قوله : { من عندنا } ، فكان مقتضى الظاهر أن يقع { من عندنا } صفةً ل { أمر حكيم } فخولف ذلك لهذه النكتة ، أي أمراً عظيماً فخماً إذا وصف ب { حكيم } . ثم بكونه من عند الله تشريفاً له بهذه العندية ، وينصرف هذا التشريف والتعظيم ابتداءً وبالتعيين إلى القرآن إذ كان بنزوله في تلك الليلة تشريفها وجعلها وقتاً لقضاء الأمور الشريفة الحكيمة . وجملة { إنا كنا مرسلين } معترضة وحرف ( إنّ ) فيها مثل ما وقع في { إنا كنا منذرين } .

واعلم أن مفتتح السورة يجوز أن يكون كلاماً موجهاً إلى المشركين ابتداء لفتح بصائرهم إلى شرف القرآن وما فيه من النفع للناس ليكفُّوا عن الصدّ عنه ولهذا وردت الحروف المقطعة في أوَلها المقصودُ منها التحدّي بالإعجاز ، واشتملت تلك الجمل الثلاث على حرف التأكيد ، ويكون إعلام الرّسول صلى الله عليه وسلم بهذه المزايا حاصلاً تبعاً إن كان لم يسبق إعلامه بذلك بما سبق من آي القرآن أو بوحي غير القرآن . ويجوز أن يكون موجهاً إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم أصالة ويكون علم المشركين بما يحتوي عليه حاصلاً تبعاً بطريق التعريض ، ويكون التوكيد منظوراً فيه إلى الغرض التعريضي .

ومفعول { مرسلين } محذوف دل عليه مادة اسم الفاعل ، أي مرسلين الرسل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (5)

قوله تعالى : " أمرا من عندنا " قال النقاش : الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده . وقال ابن عيسى : هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده . وهو مصدر في موضع الحال .

وكذلك " رحمة ربك " وهما عند الأخفش حالان ، تقديرهما : أنزلناه آمرين به وراحمين . المبرد : " أمرا " في موضع المصدر ، والتقدير : أنزلناه إنزالا . الفراء والزجاج : " أمرا " نصب ن " يفرق " ، مثل قولك " يفرق فرقا " فأمر بمعنى فرق فهو مصدر ، مثل قولك : يضرب ضربا . وقيل : " يفرق " يدل على يؤمر ، فهو مصدر عمل فيه ما قبله . " إنا كنا مرسلين . رحمة من ربك " قال الفراء " رحمة " مفعول ب " مرسلين " . والرحمة النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الزجاج : " رحمة " مفعول من أجله ، أي أرسلناه للرحمة . وقيل : هي بدل من قول . " أمرا " وقيل : هي مصدر . الزمخشري : " أمرا " نصب على الاختصاص ، جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه بالحكيم ، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال : أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا ، كائنا من لدنا ، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا . وفي قراءة زيد بن علي " أمر من عندنا " على هو أمر ، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص . وقرأ الحسن " رحمة " على تلك هي رحمة ، وهي تنصر انتصابها بأنه مفعول له .