يجوز أن يكون عطفاً على جملة { إذْ أيَّدتك بروح القدس } [ المائدة : 110 ] ، فيكون من جملة ما يقوله الله لعيسى يوم يجمع الرسل . فإنّ إيمان الحواريّين نعمة على عيسى إذ لو لم يؤمنوا به لما وجد من يتّبع دينه فلا يحصل له الثواب المتجدّد بتجدد اهتداء الأجيال بدينه إلى أن جاء نسخه بالإسلام .
والمراد بالوحي إلى الحواريّين إلهامهم عند سماع دعوة عيسى للمبادرة بتصديقه ، فليس المراد بالوحي الذي به دعاهم عيسى . ويجوز أن يكون الوحيَ الذي أوحي به إلى عيسى ليدعو بني إسرائيل إلى دينه . وخُصّ الحواريّون به هنا تنويهاً بهم حتّى كأنّ الوحي بالدعوة لم يكن إلاّ لأجلهم ، لأنّ ذلك حصل لجميع بني إسرائيل فكفر أكثرهم على نحو قوله تعالى : { كما قال عيسى ابنُ مريم للحواريّين من أنصاري إلى الله قالَ الحواريّون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } [ الصف : 14 ] ؛ فكان الحواريّون سابقين إلى الإيمان لم يتردّدوا في صدق عيسى . و { أنْ } تفسيرية للوحي الذي ألقاه الله في قلوب الحواريّين .
وفَصْل جملة { قالوا آمنَّا } لأنّها جوابُ ما فيه معنى القول ، وهو « أوحينا » ، على طريقة الفصل في المحاورة كما تقدّم في سورة البقرة ، وهو قول نفسي حصل حين ألقى الله في قلوبهم تصديق عيسى فكأنّه خاطبهم فأجابوه . والخطاب في قولهم : { واشهَدْ } لله تعالى وإنّما قالوا ذلك بكلام نفسي من لغتهم ، فحكى الله معناه بما يؤدّيه قوله : { واشهد بأنّنا مسلمون } . وسمّى إيمانهم إسلاماً لأنّه كان تصديقاً راسخاً قد ارتفعوا به عن مرتبة إيمان عامّة من آمن بالمسيح غيرهم ، فكانوا مماثلين لإيمان عيسى ، وهو إيمان الأنبياء والصدّيقيين ، وقد قدّمت بيانه في تفسير قوله تعالى : { ولكن كان حنفياً مسلماً } في سورة آل عمران ( 67 ) ، وفي تفسير قوله { فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون } في سورة البقرة ( 132 ) فارجع إليه .
قوله تعالى : " وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي " قد تقدم القول في معاني هذه الآية . والوحي في كلام العرب معناه الإلهام ويكون على أقسام : وحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل عليهم السلام . ووحي بمعنى الإلهام كما في هذه الآية ، أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم ، ومنه قوله تعالى : " وأوحى ربك إلى النحل{[6143]} " النحل : 68 ] " وأوحينا إلى أم موسى{[6144]} " [ القصص : 7 ] ووحي بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام قال أبو عبيدة : أوحيت بمعنى أمرت ، " وإلى " صلة يقال : وحى وأوحى بمعنى ؛ قال الله تعالى : " بأن ربك أوحى لها{[6145]} " [ الزلزلة : 5 ] وقال العجاج :
وحى لها القرار فاستقرت{[6146]}
أي أمرها بالقرار فاستقرت . وقيل : " أوحيت " هنا بمعنى أمرتهم وقيل : بينت لهم . " واشهد بأننا مسلمون " على الأصل ، ومن العرب من يحذف إحدى النونين ، أي واشهد يا رب . وقيل : يا عيسى بأننا مسلمون لله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.