{ فلمَّا جنّ } تفريع على قوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } [ الأنعام : 75 ] بقرينة قوله : { رأى كوكباً } فإنّ الكوكب من ملكوت السماوات ، وقولِه في المعطوف عليه { نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } [ الأنعام : 75 ] . فهذه الرؤية الخاصّة التي اهتدى بها إلى طريق عجيب فيه إبكات لقومه مُلجىء إيّاهم للاعتراف بفساد معتقدهم ، هي فرع من تلك الإراءة التي عمَّت ملكوت السماوات والأرض ، لأنّ العطف بالفاء يستدعي مزيد الاتِّصال بين المعطوف والمعطوف عليه لما في معنى الفاء من التفريع والتسبّب ، ولذلك نعُدّ جعل الزمخشري { فلما جنّ } عطفاً على { قال إبراهيم لأبيه } [ الأنعام : 74 ] ، وجعْله ما بينهما اعتراضاً ، غيرَ رشيق .
وقوله : { جَنّ عليه الليل } أي أظلم الليل إظلاماً على إبراهيم ، أي كان إبراهيم محوطاً بظلمة الليل ، وهو يقتضي أنَّه كان تحت السَّماء ولم يكن في بيت .
ويؤخذ من قوله بعده { قال يا قوم إنِّي بريء مِمَّا تشركون } أنَّه كان سائراً مع فريق من قومه يشاهدون الكواكب ، وقد كان قوم إبراهيم صابئين يعبدون الكواكب ويصوّرون لها أصناماً . وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم .
يقال : جَنَّة الليل ، أي أخفاه ، وجَنان الليل بفتح الجيم ، وجنُّه : ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد . يقال : جنَّة الليل ، وهو الأصل . ويقال : جَنّ عليه الليل ، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتَّى صارت كأنَّها غطاء ، ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جنّ اللَّيل قاصراً بمعنى أظلم .
وظاهر قوله : { رأى كوكباً } أنَّه حصلت له رؤية الكواكب عَرَضاً من غير قصد للتأمّل وإلاّ فإنّ الأفق في الليل مملوء كواكبَ ، وأنّ الكواكب كان حين رآه واضحاً في السماء مشرقاً بنوره ، وذلك أنور ما يكون في وسط السماء . فالظاهر أنَّه رأى كوكباً من بينها شديد الضوء . فعن زيد بن علي أنّ الكوكب هو الزهرة . وعن السدّي أنَّه المشتري . ويجوز أن يكون نَظَر الكواكب فرأى كوكباً فيكون في الكلام إيجاز حذف مثل { أننِ اضربْ بعصاك البحر فانفلق } [ الشعراء : 63 ] ، أي فضرب فانفلق . وجملة { رأى كوكباً } جواب { لمَّا } . والكوكب : النجم .
وجملة : { قال هذا ربِّي } مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال ينشأ عن مضمون جملة { رأى كوكباً } وهو أن يسأل سائل : فماذا كان عندما رآه ، فيكون قوله : { قال هذا ربِّي } جوباً لذلك .
واسم الإشارة هنا لقصد تمييز الكوكب من بين الكواكب ولكنْ إجراؤه على نظيريه في قوله حين رأى القمر وحين رأى الشمس { هذا ربِّي هذا ربِّي } يعيّن أنّ يكون القصد الأصلي منه هو الكناية بالإشارة عن كون المشار إليه أمراً مطلوباً مبحوثاً عنه فإذا عُثر عليه أشير إليه ، وذلك كالإشارة في قوله تعالى : { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث } [ الروم : 56 ] ، وقوله : { قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه }
[ يوسف : 32 ] ولم يقل فهو الذي لمتنني . ولعلّ منه قوله : { هذه بضاعتُنا رُدّت إلينا } [ يوسف : 65 ] إذ لم يقتصروا على « بضاعتُنا ردّت إلينا » . وفي « صحيح البخاري » قال الأحنف بن قيس : « ذَهَبْتُ لأنْصُر هذا الرجل » ( يعني عليّ بن أبي طالب ) ولم يتقدّم له ذكر ، لأنّ عليّاً وشأنه هو الجاري في خواطر الناس أيام صفّين ، وسيأتي قوله تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء } [ الأنعام : 89 ] يعني كفَّار قريش ، وفي حديث سؤال القبر : " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " ( يعني الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا من الأغراض الداعية للتعريف باسم الإشارة التي أهملها علماء البلاغة فيصحّ هنا أن يجعل مستعملاً في معنييه الصريح والكناية .
وتعريف الجزأين مفيد للقصر لأنَّه لم يقل : هذا ربّ . فدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام أراد استدراج قومه فابتدأ بإظهار أنَّه لا يَرى تعدّد الآلهة ليصل بهم إلى التوحد واستبقى واحداً من معبوداتهم ففرض استحقاقه الإلهية كيلا ينفروا من الإصغاء إلى استدلاله .
وظاهر قوله { قال } إنَّه خاطب بذلك غيره ، لأنّ القول حقيقته الكلام ، وإنَّما يساق الكلام إلى مخاطب . ولذلك كانت حقيقة القول هي ظاهر الآية من لفظها ومن ترتيب نظمها إذْ رُتِّب قوله { فلما جنّ } على قوله : { وكذلك نري إبْراهيم ملكوت السماوات والأرض } [ الأنعام : 75 ] وقوله : { وليكون من الموقنين } [ الأنعام : 75 ] ورتّب ذلك كلّه على قوله : { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتَّخذ أصناماً آلهة } [ الأنعام : 74 ] الآية ، ولقوله تعالى : { قال هذا ربِّي } وإنَّما يقوله لمخاطب ، ولقوله عقب ذلك { يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون } ، ولأنَّه اقتصر على إبطال كون الكواكب آلهة واستدلّ به على براءته ممَّا يشركون مع أنَّه لا يلزم من بطلان إلهية الكواكب بطلان إلهية أجرام أخرى لولا أنّ ذلك هو مدّعى قومه ؛ فدلّ ذلك كلّه على أنّ إبراهيم عليه السلام قال ذلك على سبيل المجادلة لقومه وإرخاء العنان لهم ليصلوا إلى تلقّي الحجّة ولا ينفِروا من أول وهلة فيكون قد جمع جمعاً من قومه وأراد الاستدلال عليهم .
وقوله : { هذا ربِّي } أي خالقي ومدبِّري فهو مستحقّ عبادتي . قاله على سبيل الفرض جرياً على معتقد قومه ليصل بهم إلى نقض اعتقادهم فأظهر أنَّه موافق لهم ليهشّوا إلى ذلك ثم يكُرّ عليهم بالإبطال إظهاراً للإنصاف وطلب الحقّ . ولا يريبك في هذا أنّ صدور ما ظاهره كُفر على لسانه عليه السلام لأنَّه لمّا رأى أنّه ذلك طريق إلى إرشاد قومه وإنقاذهم من الكفر ، واجتهد فرآه أرجى للقبول عندهم ساغ له التصريح به لقصد الوصول إلى الحقّ وهو لا يعتقده ، ولا يزيد قولُه هذا قومَه كفراً ، كالذي يُكره على أن يقول كلمة الكفر وقلبُه مطمئنّ بالإيمان فإنَّه إذا جاز ذلك لحفظ نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كان جوازه لإنقاذ فريق من النَّاس من الهلاك في الدنيا والآخرة أولى .
وقد يكون فعل ذلك بإذن من الله تعالى بالوحي .
وعلى هذا فالآية تقتضي أنّ قومه يعبدون الكواكب وأنَّهم على دين الصابئة وقد كان ذلك الدين شائعاً في بلدان الكلدان التي نشأ فيها إبراهيم عليه السلام وأنّ الأصنام التي كانوا يعبدونها أرادوا بها أنّها صور للكواكب وتماثيلُ لها على حسب تخيّلاتهم وأساطيرهم مثلما كان عليه اليونان القدماء ، ويحتمل أنَّهم عبدوا الكواكب وعبدوا صوراً أخرى على أنَّها دون الكواكب كما كان اليونان يقسمون المعبودات إلى آلهة وأنصاف آلهة . على أنّ الصابئة يعتقدون أنّ للكواكب روحانيات تخدمها .
وأفل النجم أفولاً : غاب ، والأفول خاصّ بغياب النيِّرات السماوية ، يقال : أفلّ النجم وأفَلَتْ الشمس ، وهو المغيب الذي يكون بغروب الكوكب ورَاء الأفق بسبب الدورة اليومية للكرة الأرضية ، فلا يقال : أفَلَتْ الشمس أو أفَل النجم إذا احتجب بسحاب .
وقوله : { لا أحبّ } الحبّ فيه بمعنى الرضى والإرادة ، أي لا أرضى بالآفِل إلهاً ، أو لا أريد الآفل إلَهاً . وقد علم أنّ متعلَّق المحبَّة هو إرادته إلَهاً له بقوله : { هذا ربِّي } . وإطلاق المحبَّة على الإرادة شائع في الكلام ، كقوله تعالى : { فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا } [ التوبة : 108 ] . وقدّره في « الكشَّاف » بحذف مضاف ، أي لا أحبّ عبادة الآفلين .
وجاء ب { الآفلين } بصيغة جمع الذكور العقلاء المختصّ بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أنّ الكواكب عاقلة متصرّفة في الأكوان ، ولا يكون الموجود معبوداً إلاّ وهو عالم .
ووجه الاستدلال بالأفوال على عدم استحقاق الإلهية أنّ الأفول مغيب وابتعاد عن الناس ، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده فلمَّا أفلّ النجم كان في حالة أفوله محجوباً عن الاطِّلاع على النَّاس ، وقد بنَى هذا الاستدلال على ما هو شائع عند القوم من كون أفول النجم مغيباً عن هذا العالم ، يعني أنّ ما يغيب لا يستحقّ أنْ يُتَّخذ إلهاً لأنَّه لا يغني عن عباده فيما يحتاجونه حين مغيبه . وليس الاستدلال منظوراً فيه إلى التغيّر لأنّ قومه لم يكونوا يعلمون الملازمة بين التغيّر وانتفاء صفة الإلهية ، ولأنّ الأفول ليس بتغيّر في ذات الكوكب بل هو عَرَض للأبصار المشاهِدة له ، أمَّا الكوكب فهو باق في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ذلك مقنعاً لهم .
ولأجل هذا احتجّ بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإنّ البزوغ وإن كان طرأ بعد أفول لكنْ الأفول السابقُ غيرُ مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن يقول : إنّ هذا البازغ كان من قَبلُ آفِلاً .
قوله تعالى : " فلما جن عليه الليل " أي ستره بظلمته ، ومنه الجنة والجنة والجنة والجنين والمجن والجن كله بمعنى الستر . وجنان الليل ادلهمامه وستره . قال الشاعر{[6506]} :
ولولا جَنَانُ الليل أدرك ركضُنا *** بذي الرَّمْثِ والأَرْطَى{[6507]} عياضَ بنَ ناشب
ويقال : جنون الليل أيضا . ويقال : جنه الليل وأجنه الليل ، لغتان . " رأى كوكبا " هذه قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه . فقيل : رأى ذلك من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب . وقيل : لما أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس فرأى الإبل والخيل والغنم فقال : لا بد لها من رب ، ورأى المشتري أو الزهرة ثم القمر ثم الشمس ، وكان هذا في آخر الشهر . قال محمد بن إسحاق : وكان ابن خمس عشرة سنة . وقيل : ابن سبع سنين . وقيل : لما حاج نمروذا كان ابن سبع عشرة سنة .
قوله تعالى : " قال هذا ربي " اختلف في معناه على أقوال ، فقيل : كان هذا منه في مهلة النظر وحال الطفولية وقبل قيام الحجة ، وفي تلك الحال لا يكون كفر ولا إيمان . فاستدل قائلو هذه المقالة بما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : " فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي " فعبده حتى غاب عنه ، وكذلك الشمس والقمر ، فلما تم نظره قال : " إني بريء مما تشركون " [ الأنعام : 78 ] . واستدل بالأفول ؛ لأنه أظهر الآيات على الحدوث . وقال قوم : هذا لا يصح ؛ وقالوا : غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ، ومن كل معبود سواه بريء . قالوا : وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وآتاه رشده من قبل ، وأراه ملكوته ليكون من الموقنين ، ولا يجوز أن يوصف بالخلو عن المعرفة ، بل عرف الرب أول النظر . قال الزجاج : هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قال ، وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال : " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام{[6508]} " [ إبراهيم : 35 ] وقال جل وعز : " إذ جاء ربه بقلب سليم{[6509]} " [ الصافات : 84 ] أي لم يشرك به قط . قال : والجواب عندي أنه قال " هذا ربي " على قولكم ؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر ؛ ونظير هذا قوله تعالى : " أين شركائي{[6510]} " [ النحل : 27 ] وهو جل وعلا واحد لا شريك له . والمعنى : أين شركائي على قولكم . وقيل : لما خرج إبراهيم من السرب رأى ضوء الكوكب وهو طالب لربه ، فظن أنه ضوءه قال : " هذا ربي " أي بأنه يتراءى لي نوره . " فلما أفل " علم أنه ليس بربه . " فلما رأى القمر بازغا " [ الأنعام : 77 ] ونظر إلى ضوئه " قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " [ الأنعام : 77 ] . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي " [ الأنعام : 78 ] وليس هذا شركا . إنما نسب ذلك الضوء إلى ربه فلما رآه زائلا{[6511]} دله العلم على أنه غير مستحق لذلك ، فنفاه بقلبه وعلم أنه مربوب وليس برب . وقيل : إنما قال " هذا ربي " لتقرير الحجة على قومه فأظهر موافقتهم ، فلما أفل النجم قرر الحجة وقال : ما تغير لا يجوز أن يكون ربا . وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويحكمون بها . وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا ما صح عن ابن عباس أنه قال في قول الله عز وجل : " نور على نور{[6512]} " [ النور : 35 ] قال : كذلك قلب المؤمن يعرف الله عز وجل ويستدل عليه بقلبه ، فإذا عرفه ازداد نورا على نور ، وكذا إبراهيم عليه السلام عرف الله عز وجل بقلبه واستدل عليه بدلائله ، فعلم أن له ربا وخالقا . فلما عرفه الله عز وجل بنفسه ازداد معرفة فقال : " أتحاجوني في الله وقد هدان " [ الأنعام : 80 ] . وقيل : هو على معنى الاستفهام والتوبيخ ، منكرا لفعلهم . والمعنى : أهذا ربي ، أو مثل هذا يكون ربا ؟ فحذف الهمزة . وفي التنزيل " أفإن مت فهم الخالدون{[6513]} " [ الأنبياء : 34 ] أي أفهم الخالدون . وقال الهذلي{[6514]} :
رفوني وقالوا يا خويلدُ لا تُرَعْ *** فقلت وأنكرت الوجوه همُ همُ
آخر{[6515]} :
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا *** بسبع رمين الجمر أم بثمان
وقيل : المعنى هذا ربي على زعمكم ، كما قال تعالى : " أين شركائي الذين كنتم تزعمون{[6516]} " [ القصص : 74 ] . وقال : " ذق إنك أنت العزيز الكريم{[6517]} " [ الدخان : 49 ] أي عند نفسك . وقيل : المعنى أي وأنتم تقولون هذا ربي ، فأضمر القول ، وإضماره في القرآن كثير . وقيل : المعنى في هذا ربي ، أي هذا دليل على ربي .