نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ} (76)

ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق : دانيهم وقاصيهم ، وهي أشرف من الأرضية ، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب الأولى ؛ نصب لهم الحجاج في أمرها ، فقال مسبباً عن الإراءة المذكورة : { فلما جن } أي{[30078]} ستر وأظلم ، وقصره{[30079]} - وإن كان متعدياً - دلالة على شدة ظلام تلك الليلة ، ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال : { عليه{[30080]} الّيل } أي وقع{[30081]} الستر عليه ، فحجب ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء { رأى كوكباً } أي{[30082]} قد بزغ ، فكأنه قيل : فماذا{[30083]} فعل ؟ فقيل : { قال هذا ربي } فكأنه{[30084]} مِنْ بَصْرِه{[30085]} أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبراً واستفهاماً ، ليوهمهم{[30086]} أنه مخبر ، فيكون ذلك انفى{[30087]} للغرض وأنجى من الشعب ، فيكون أشد استجلاباً لهم إلى إنعام النظر وتنبيهاً على موضع الغلط وقبول الحجة ، ولمثل ذلك ختم الآية بقوله : { فلما أفل } أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية{[30088]} سلطان { قال لا أحب الآفلين * } لأن{[30089]} الأفول حركة ، والحركة تدل على حدوث المتحرك وإمكانه ، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولاً عن اعتقاد ربوبية الكواكب ، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقناً{[30090]} ، فاسند الأمر إلى نفسه تنبيهاً لهم ، واستدل بالأفول{[30091]} لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة{[30092]} شأنه اتم ، ولم يستدل{[30093]} بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث{[30094]} والنقصان - شرف في الجملة وسلطان ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان ، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود ، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال{[30095]}

{ وأن إلى ربك المنتهى }[ النجم : 42 ] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة ، فلا بد من الأستناد إلى قديم ، والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه ، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية ، وخص الأفول أيضاً لأن قومه الفرس كانوا منجمين ، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعداً من المشرق{[30096]} إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير ، فإذا كان نازلاً إلى المغرب{[30097]} كان ضعيف الأثر ، والإله هو من لا يتغير ، وهذا الاستدلال برهان في أن{[30098]} أصل الدين مبني على الحجة دون التقليد{[30099]} .


[30078]:زيد من ظ.
[30079]:من ظ، وفي الأصل: قصر.
[30080]:سقط من ظ.
[30081]:في ظ: أوقع.
[30082]:سقط من ظ.
[30083]:من ظ، وفي الأصل: بماذا.
[30084]:في ظ: وكان.
[30085]:من ظ، وفي الأصل: نصره.
[30086]:في ظ: ليفهم.
[30087]:من ظ، وفي الأصل: النفي.
[30088]:في ظ: له به- كذا.
[30089]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30090]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30091]:من ظ، وفي الأصل: بالأقوال.
[30092]:من ظ، وفي الأصل: خفا- كذا.
[30093]:في ظ: لما استدل.
[30094]:من ظ، وفي الأصل: الحدث.
[30095]:من ظ، وفي الأصل: الرجال.
[30096]:في ظ، الشرق.
[30097]:في ظ: الغرب.
[30098]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30099]:زيد بعده في الأصل: فاسند الأمر، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.