تذييل لما سبق من أحكام الإِنفاق على المعتدات والمرضعات بما يعمّ ذلك . ويعم كل إنفاق يطالَب به المسلم من مفروض ومندوب ، أي الإِنفاق على قدر السعة .
والسَّعة : هي الجِدَة من المال أو الرزق .
والإِنفاق : كفاية مؤونة الحياة من طعام ولباس وغير ذلك مما يُحتاج إليه .
و { من } هنا ابتدائية لأن الإِنفاق يصدر عن السعة في الإِعتبار ، وليست { من } هذه ك ( مِن ) التي في قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } [ الأنفال : 3 ] لأن النفقة هنا ليست بعضاً من السعة ، وهي هناك بعض الرزق فلذلك تكون ( مِن ) من قوله : { فلينفق مما آتاه الله } تبعيضية .
ومعنى { قدر عليه رزقه } جعل رزقه مقدوراً ، أي محدوداً بقدر معين وذلك كناية عن التضييق . وضده { يرزقون فيها بغير حساب } [ غافر : 40 ] ، يقال : قدر عليه رزقه ، إذا قتّره ، قال تعالى : { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } وتقدم في سورة [ الرعد : 26 ] أي من كان في ضيق من المال فلينفق بما يسمح به رزقه بالنظر إلى الوفاء بالإِنفاق ومراتبه في التقديم . وهذا مُجمَل هنا تفصيله في أدلة أخرى من الكتاب والسنة والاستنباط ، قال النبي لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان : خذي من ماله ما يكفيك وولدَك بالمعروف .
والمعروف : هو ما تعارفه الناس في معتاد تصرفاتهم ما لم تبطله الشريعة .
والرزق : اسم لما ينتفع به الإِنسان في حاجاته من طعام ولباس ومتاع ومنزل . سواء كان أعياناً أو أثماناً . ويطلق الرزق كثيراً على الطعام كما في قوله تعالى : { وجد عندها رزقاً } [ آل عمران : 37 ] .
ولم يختلف العلماء في أن النفقات لا تتحدد بمقادير معينة لاختلاف أحوال الناس والأزمان والبلاد . وإنما اختلفوا في التوسع في الإِنفاق في مال المؤسر هل يقضَى عليه بالتوسعة على من يُنفق هو عليه ولا أحسب الخلاف في ذلك إلا اختلافاً في أحوال الناس وعوائدهم ولا بدّ من اعتبار حال المنفَق عليه ومعتاده ، كالزوجة العالية القَدر . وكل ذلك داخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند : « ما يكفيك وولدَك بالمعروف » .
وجملة { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها } تعليل لقوله : { ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } . لأن مضمون هذه الجملة قد تقرر بين المسلمين من قبل في قوله تعالى : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } في سورة [ البقرة : 286 ] ، وهي قبل سورة الطلاق .
والمقصود منه إقناع المنفَق عليه بأن لا يطلب من المنفِق أكثر من مقدُرته . ولهذا قال علماؤنا : لا يطلَّق على المعسر إذا كان يقدر على إشباع المنفَق عليها وإكسائها بالمعروف ولو بشظف ، أي دون ضر .
و{ مما آتاه الله } يشمل المقدرة على الاكتساب فإذا كان مَن يجب عليه الإِنفاق قادراً على الاكتساب لِينفق من يجب عليه إنفاقه أو ليكمِّل له ما ضاق عنه ماله ، يجبر على الاكتساب .
وأما من لا قدرة له على الاكتساب وليس له ما ينفق منه فنفقته أو نفقة من يجب عليه إنفاقُه على مراتبها تكون على بيت مال المسلمين . وقد قال عمر بن الخطاب : « وأن رب الصريمة ورب الغُنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببينة يقول يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ، أفتاركهم أينا » ، رواه مالك في « الموطأ » .
وفي عجز الزوج عن إنفاق زوجه إذا طلبت الفراق لعدم النفقة خلاف . فمن الفقهاء من رأى ذلك موجباً بينهما بعد أجللِ رجاء يسر الزوج وقُدر بشهرين ، وهو قول مالك . ومنهم من لم ير التفريق بين الزوجين بذلك وهو قول أبي حنيفة ، أي وتنفَق من بيت مال المسلمين .
والذي يقتضيه النظر أنه إن كان بيت المال قائماً فإن من واجبه نفقة الزوجين المعسرين وإن لم يُتوصل إلى الإِنفاق من بيت المال كان حقاً أن يفرِّق القاضي بينهما ولا يترك المرأة وزوْجها في احتياج . ومحل بسط ذلك في مسائل الفقه .
وجملة { سيجعل الله بعد عسر يسراً } تكملة للتذييل فإن قوله : { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها } يناسب مضمون جملة { لينفق ذو سعة من سعته } .
وقوله : { سيجعل الله } الخ تُناسب مضمون { ومن قدر عليه رزقه } الخ . وهذا الكلام خبر مستعمل في بعث الترجّي وطرح اليأس عن المعسر من ذوي العيال . ومعناه : عسى أن يجعل الله بعد عُسركم يُسراً لكم فإن الله يجعل بعد عسر يسراً . وهذا الخبر لا يقتضي إلا أنّ من تصرفات الله أن يجعل بعد عسر قوم يسراً لهم ، فمن كان في عسر رجَا أن يكون ممن يشمله فضل الله ، فيبدل عسره باليسر .
وليس في هذا الخبر وعْد لكل معسر بأن يصير عُسره يُسراً . وقد يكون في المشاهدة ما يخالف ذلك فلا فائدة في التكلف بأن هذا وعد من الله للمسلمين الموحدين يومئذٍ بأن الله سيبدل عسرهم باليسر ، أو وعد للمُنفقين الذين يمتثلون لأمر الله ولا يشحّون بشيء مما يسعه مالهم . وانظر قوله تعالى : { فإن مع العسر يسراً } [ الشرح : 5 ] .
ومن بلاغة القرآن الإِتيان ب ( عسر ويسراً ) نكرتين غير معرفين باللام لئلا يتوهم من التعريف معنى الاستغراق كما في قوله : { فإن مع العسر يسراً .
الأولى- قوله تعالى : " لينفق " أي لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعا عليه . ومن كان فقيرا فعلى قدر ذلك . فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفق والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة ، فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفق ، عليه ثم ينظر إلى حالة المنفق ، فإن احتملت الحالة أمضاها عليه ، فإن اقتصرت حالته على حاجة المنفق عليه ردها إلى قدر احتماله . وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأصحابه : النفقة مقدرة محددة ، ولا اجتهاد لحاكم ولا لمفت فيها . وتقديرها هو بحال الزوج وحده من يسره وعسره ، ولا يعتبر بحالها وكفايتها . قالوا : فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس . فإن كان الزوج موسرا لزمه مدان ، وإن كان متوسطا فمد ونصف ، وإن كان معسرا فمد . واستدلوا بقوله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته " الآية . فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر دونها ، ولأن الاعتبار بكفايتها لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره ، فيؤدي إلى الخصومة ؛ لأن الزوج يدعي أنها تلتمس فوق كفايتها ، وهي تزعم أن الذي تطلب قدر كفايتها ، فجعلناها مقدرة قطعا للخصومة . والأصل في هذا عندهم قوله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته " - كما ذكرنا - وقوله : " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " [ البقرة : 236 ] . والجواب أن هذه الآية لا تعطي أكثر من فرق بين نفقة الغني والفقير ، وإنها تختلف بعسر الزوج ويسره . وهذا مسلم . فأما إنه لا اعتبار بحال الزوجة على وجهه فليس فيه ، وقد قال الله تعالى : " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف{[15103]} " [ البقرة : 233 ] وذلك يقتضي تعلق المعروف في حقهما ؛ لأنه لم يخص في ذلك واحدا منهما . وليس من المعروف أن يكون كفاية الغنية مثل نفقة الفقيرة ؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) . فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان الواجب عليه بطلبها ، ولم يقل لها لا اعتبار بكفايتك وأن الواجب لك شيء مقدر ، بل ردها إلى ما يعلمه من قدر كفايتها ولم يعلقه بمقدار معلوم . ثم ما ذكروه من التحديد يحتاج إلى توقيف ، والآية لا تقتضيه .
الثانية- روي أن عمر رضي الله عنه فرض للمنفوس مائة درهم ، وفرض له عثمان خمسين درهما . ابن العربي : " واحتمل أن يكون هذا الاختلاف بحسب اختلاف السنين أو بحسب حال القدر في التسعير لثمن القوت والملبس ، وقد روي محمد بن هلال المزني قال : حدثني أبي وجدتي أنها كانت ترد على عثمان ففقدها فقال لأهله : ما لي لا أرى فلانة ؟ فقالت امرأته : يا أمير المؤمنين ، ولدت الليلة ، فبعث إليها بخمسين درهما وشُقَيْقَة سُنْبُلاَنِيَة{[15104]} . ثم قال : هذا عطاء ابنك وهذه كسوته ، فإذا مرت له سنة رفعناه إلى مائة . وقد أتي علي رضي الله عنه بمنبوذ{[15105]} ففرض له مائة . قال ابن العربي : ( هذا الفرض قبل الفطام مما اختلف فيه العلماء ، فمنهم من رآه مستحبا ؛ لأنه داخل في حكم الآية ، ومنهم من رآه واجبا لما تجدد من حاجته وعرض من مؤنته ، وبه أقول . ولكن يختلف قدره بحاله عند الولادة وبحاله عند الفطام . وقد روي سفيان بن وهب أن عمر أخذ المد بيد والقسط بيد فقال : إني فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مدي حنطة وقسطي خل وقسطي زيت . زاد غيره : وقال إنا قد أجرينا{[15106]} لكم أعطياتكم وأرزاقكم في كل شهر ، فمن انتقصها فعل الله به كذا وكذا ، فدعا عليه . قال أبو الدرداء : كم سنة راشدة مهدية قد سنها عمر رضي الله عنه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ! والمد والقسط كيلان شاميان في الطعام والإدام ، وقد دُرِسا بعرف آخر . فأما المد فدُرِس إلى الكَيْلَجَة . وأما القسط فدُرِس إلى الكيل ، ولكن التقدير فيه عندنا ربعان في الطعام وثمنان في الإدام . وأما الكسوة فبقدر العادة قميص وسراويل وجبة في الشتاء وكساء وإزار وحصير . وهذا الأصل ، ويتزيد بحسب الأحوال والعادة " .
الثالثة- هذه الآية أصل في وجوب النفقة للولد على الوالد دون الأم ، خلافا لمحمد بن المواز يقول : إنها على الأبوين على قدر الميراث . ابن العربي : ولعل محمدا أراد أنها على الأم عند عدم الأب . وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ( تقول لك المرأة أنفق علي وإلا فطلقني ويقول لك العبد أنفق علي واستعملني ويقول لك ولدك أنفق علي إلى من تكلني ) فقد تعاضد القرآن والسنة وتواردا في شرعة واحدة .
الرابعة- قوله تعالى : " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " أي لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني . " سيجعل الله بعد عسر يسرا " أي بعد الضيق غنى ، وبعد الشدة سعة .