التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} (14)

وجملة { ألا يعلم من خلق } استئناف بياني ناشىء عن قوله : { إنه عليم بذات الصدور } بأن يسأل سائل منهم : كيف يعلم ذات الصدور ، والمعروف أن ما في نفس المرء لا يعلمه غير نفسه ؟ فأجيبوا بإنكار انتفاء علمه تعالى بما في الصدور فإنه خالق أصحاب تلك الصدور ، فكما خلقهم وخلق نفوسهم جعل اتصالاً لتعلق علمه بما يختلج فيها وليس ذلك بأعجب من علم أصحاب الصدور بما يدور في خَلدها ، فالإِتيان ب { مَن } الموصولة لإِفادة التعليل بالصلة .

فيجوز أن يكون { مَن خَلَق } مفعول { يعلم } فيكون { يعلم } و { خلَق } رافعين ضميرين عائديْن إلى ما عاد إليه ضمير { إنه عليم بذات الصدور } ، فيكون { مَن } الموصولة صادقة على المخلوقين وحُذف العائد من الصلة لأنه ضمير نصب يكثر حذفه . والتقدير : من خلقهم .

ويجوز أن يكون { من خلق } فاعل { يعلم } والمراد الله تعالى ، وحُذف مفعول { يعلم } لدلالة قوله : { وأسروا قولَكم أو اجهروا به } . والتقدير : ألا يعلم خالقكم سركم وجهركم وهو الموصوف بلطيف خبير .

والعلم يتعلق بذوات الناس وأحوالهم لأن الخلق إيجاد وإيجاد الذوات على نظام مخصوص دالٌ على إرادة ما أودع فيه من النظام وما ينشأ عن قوى ذلك النظام ، فالآية دليل على عموم علمه تعالى ولا دلالة فيها على أنه تعالى خالق أفعال العباد للانفكاك الظاهر بين تعلق العلم وتعلق القدرة .

وجملة { وهو اللطيف الخبير } الأحسن أن تجعل عطفاً على جملة { ألا يعلم من خلق } لتفيد تعليماً للناس بأن علم الله محيط بذوات الكائنات وأحوالها فبعد أن أنكر ظنهم انتفاء على الله بما يسرون ، أعلمهم أنه يعلم ما هو أعم من ذلك وما هو أخفى من الإِسرار من الأحوال .

و { اللطيف } : العالم خبايا الأمور والمدبر لها برفق وحكمة .

و { الخبير } : العليم الذي لا تعزب عنه الحوادثُ الخفية التي من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضاً بحدوثها فلذلك اشتق هذا الوصف من مادة الخبر ، وتقدم عند قوله تعالى : { وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } في الأنعام ( 103 ) وعند قوله : { إن الله لطيف خبير } في سورة لقمان ( 16 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} (14)

ثم قال : " ألا يعلم من خلق " يعني ألا يعلم السر من خلق السر . يقول أنا خلقت السر في القلب ، أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد . وقال أهل المعاني : إن شئت جعلت " من " اسما للخالق جل وعز ، ويكون المعنى : ألا يعلم الخالق خلقه . وإن شئت جعلته اسما للمخلوق ، والمعنى : ألا يعلم الله من خلق . ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه وما يخلقه . قال ابن المسيب : بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير ، وقد عصفت الريح فوقع في نفس الرجل : أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق ؟ فنودي من جانب الغَيْضَة{[15193]} بصوت عظيم : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير . وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : من أسماء صفات الذات ما هو للعلم ، منها " العليم " ، ومعناه تعميم جميع المعلومات . ومنها " الخبير " ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون . ومنها " الحكيم " ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف . ومنها " الشهيد " ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر ، ومعناه أن لا يغيب عنه شيء . ومنها الحافظ ، ويختص بأنه لا ينسى . ومنها " المحصي " ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم ، مثل ضوء النور ، واشتداد الريح ، وتساقط الأوراق ، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة . وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق ! وقد قال : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " .


[15193]:الغيضة: الشجر الكثير الملتف.