التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} (59)

استئناف انتقل به الغرض من إقامة الحجّة والمنّةِ ( المبتدئة بقوله تعالى : { ولقد مكناكم في الأرض } [ الأعراف : 10 ] ، وتنبيه أهل الضّلالة أنّهم غارقون في كيد الشّيطان ، الذي هو عدوّ نوعهم ، من قوله : { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صِراطك المستقيم إلى قوله : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ الأعراف : 16 33 ] ، ثمّ بالتّهديد بوصف عذاب الآخرة وأحوال النّاس فيه ، وما تخلّل ذلك من الأمثال والتّعريض ) ؛ إلى غرض الاعتبار والموعظة بما حلّ بالأمم الماضية . فهذا الاستئناف له مزيد اتّصال بقوله في أوائل السّورة [ 4 ] : { وكم من قرية أهلكناها } الآية ، وقد أفيض القول فيه في معظم السّورة وتَتْبَعُ هذا الاعتبار أغراضٌ أخرى : وهي تسلية الرّسول ، وتعليم أمّته بتاريخ الأمم التي قبلها من الأمم المرسل إليهم ، ليعلم المكذّبون من العرب أنّ لا غضاضة على محمّد ولا على رسالته من تكذيبهم ، ولا يجعله ذلك دون غيره من الرّسل ، بله أن يؤيّد زعمهم أنّه لو كان صادقاً في رسالته لأيَّده الله بعقاب مكذّيبه ( لما قالوا على سبيل التّهكّم أو الحجاج : { اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم } ) . وليعلَمَ أهل الكتاب وغيرهم أنّ ما لقيه محمّد من قومه هو شنشنة أهل الشّقاوة تلقاء دعوة رسل الله . وأكّد هذا الخبر بلام القسم وحرف التّحقيق لأنّ الغرض من هذه الأخبار تنظير أحوال الأمم المكذّبة رسلَها بحال مشركي العرب في تكذيبهم رسالة محمّد .

وكثُر في الكلام اقترانُ جملة جواب القسم : { بقَدْ } لأنّ القسم يُهيىء نفس السّامع لتوقع خبر مهم فيؤتى بقَد لأنّها تدلّ على تحقيق أمر متوقّع ، كما أثبته الخليل والزّمخشري ، والتّوقّع قد يكون توقعاً للمخبَر به ، وقد يكون توقعاً للخبر كما هنا .

وتقدّم التّعريف بنوح عند قوله تعالى { إنّ الله اصطفى آدم ونوحا } في سورة [ آل عمران : 33 ] . وكان قوم نوح يسكنون الجزيرة والعراق ، حسب ظن المؤرّخين . وعبر عنهم القرآن بطريق القومية المضافة إلى نوح إذ لم يكن لهم اسْم خاص من أسماء الأمم يعرفون به ، فالتّعريف بالإضافة هنا لأنّها أخصر طريق .

وعطف جملة { فقال يا قوم } على جملة { أرسلنا } بالفاء إشعاراً بأنّ ذلك القول صدر منه بفور إرساله ، فهي مضمون ما أرسل به .

وخاطب نوح قومه كلّهم لأنّ الدّعوة لا تكون إلاّ عامة لهم ، وعبّر في ندائهم بوصف القوم لتذكيرهم بآصرة القرابة ، ليتحقّقوا أنّه ناصح ومريد خيرهم ومشفق عليهم ، وأضاف ( القوم ) إلى ضميره للتحبيب والتّرقيق لاستجلاب اهتدائهم .

وقوله لهم : { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } إبطال للحالة التي كانوا عليها ، وهي تحتمل أن تكون حالة شرك كحالة العرب ، وتحتمل أن تكون حالة وثنيّة باقتصارهم على عبادة لأصنام دون الله تعالى ، كحالة الصّابئه وقدماء اليونان ، وآيات القرآن صالحة للحالين ، والمنقول في القصص : أنّ قوم نوح كانوا مشركين ، وهو الذي يقتضيه ما في « صحيح البخاري » عن ابن عبّاس أنّ آلهة قوم نوح أسماء جماعة من صالحيهم فلمّا ماتُوا قال قومهم : لو اتَّخذنا في مجالسهم أنصاباً فاتّخَذوها وسمَّوْها بأسمائهم حتّى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت .

وظاهر ما في سورة نوح أنّهم كانوا لا يعبدون الله لقوله : { أن اعبدوا الله واتَّقُوه } [ نوح : 3 ] وظاهر ما في سورة فُصِّلت أنّهم يعترفون بالله لقولهم : { لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة } [ فصلت : 14 ] مع احتمال أنّه خرج مخرج التّسليم الجدلي فإن كانوا مشركين كان أمرُه إياهم بعبادة الله مقيَّداً بمدلول قوله : { ما لكم من إله غيره } أي أفردوه بالعبادة ولا تشركوا معه الأصنام ، وإن كانوا مقتصرين على عبادة الأوثان كان قوله : { ما لكم من إله غيره } تعليلاً للاقبال على عبادة الله ، أي هو الإله لا أوثانُكم .

وجملة : { ما لكم من إله غيره } على الوجه الأوّل بيان للعبادة التي أمَرَهم بها ، أي أفردوه بالعبادة دون غيره ، إذ ليس غيره لكم بالإله .

وعلى الوجه الثّاني يكون استئنافاً بيانياً للأمر بالإقلاع عن عبادة غيره .

وقرأ الجمهور { غيرهُ } بالرّفع على الصّفة ( لإله ) باعتبار محلّه لأنّه في محلّ رفع إذ هو مبتدأ وإنّما جرّ لدخول حرف الجرّ الزائد ولا يُعتد بجرّه ، وقرأه الكسائي ، وأبو جعفر : بجرّ { غير } على النّعت للّفظ ( إلاه ) نظراً لحرف الجر الزّائد .

وجملة : { إني أخاف عليكم عذاب يوم } يجوز أن تكون في موقع التّعليل ، كما في « الكشاف » : أي لمضمون قوله : { ما لكم من إله غيره } كأنّه قيل : اتركوا عبادة غير الله خوفاً من عذاب يوم عظيم ، وبُني نظم الكلام على خوففِ المتكلّم عليهم ، دلالة على إمحاضه النّصح لهم وحرصه على سلامتهم ، حتّى جعل ما يُضر بهم كأنّه يُضِرّ به ، فهو يخافه كما يخافون على أنفسهم ، وذلك لأنّ قوله هذا كان في مبدأ خطابهم بما أرسل به ، ويحتمل أنّه قاله بعد أن ظَهر منهم التّكذيب : أي إن كنتم لا تخافون عذاباً فإنّي أخافه عليكم ، وهذا من رحمة الرّسل بقومهم .

وفعل الخوف يتعدّى بنفسه إلى الشّيء المخوف منه ، ويتعدّى إلى مفعول ثان بحرف ( على ) إذا كان الخوف من ضر يلحقُ غيرَ الخائف ، كما قال الأحوص :

فإذا تزول تزول على مُتَخَمِّطٍ *** تُخْشَى بوادِرُهُ على الأقران

ويجوز أن تكون مستأنفة ثانية بعد جملة { اعبدوا الله } لقصد الإرهاب والإنذار ، ونكتة بناءِ نظم الكلام على خوف المتكلّم عليهم هي هي .

والعذاب المخوف ويومه يحتمل أنّهما في الآخرة أو في الدّنيا ، والأظهر الأوّل لأنّ جوابهم بأنّه في ضلال مبين يشعر بأنّهم أحالوا الوحدانية وأحالوا البعث كما يدلّ عليه قوله في سورة [ نوح : 17 ، 18 ] : { والله أنبتكم من الأرض نباتا ثمّ يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً } فحالهم كحال مشركي العرب لأنّ عبادة الأصنام تمحّض أهلها للاقتصار على أغراض الدّنيا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} (59)

قوله تعالى : " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله " لما بين أنه الخالق القادر على الكمال ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار . واللام في " لقد " للتأكيد المنبه على القسم . والفاء دالة على أن الثاني بعد الأول . " يا قوم " نداء مضاف . ويجوز " يا قومي " على الأصل . ونوح أول الرسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات . قال النحاس : وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف . وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح . وقد تقدم في " آل عمران " {[7204]} . قال ابن العربي : ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم . والدليل على صحة وهمه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم آدم وإدريس فقال له آدم : ( مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ) . وقال له إدريس : ( مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ) . فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح . فلما قال له والأخ الصالح دل ذلك على أنه يجتمع معه في نوح ، صلوات الله عليهم أجمعين . ولا كلام لمنصف بعد هذا . قال القاضي عياض : وجاء جواب الآباء ههنا كنوح وإبراهيم وآدم ( مرحبا بالابن الصالح ) . وقال عن إدريس ( بالأخ الصالح ) كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس بأب باتفاق للنبي صلى الله عليه وسلم . وقال المازري : قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام . فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح ، لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحا أول رسول بعث ، لأنه لم يقم دليل جاز ما قالوا : وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل . قال القاضي عياض : قد يجمع بين هذا بأن يقال : اختص بعث نوح لأهل الأرض - كما قال في الحديث - كافة كنبينا عليه السلام . ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم . وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى : " وإن إلياس لمن المرسلين . إذ قال لقومه ألا تتقون{[7205]} " [ الصافات : 123 ، 124 ] . وقد قيل : إن إلياس هو إدريس . وقد قرئ " سلام على إدراسين " . قال القاضي عياض : وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ؛ ليسلم من هذا الاعتراض . وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان . قال ابن عطية : ومجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان ، فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة . والله أعلم . وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة . قال الكلبي : بعد آدم بثمانمائة سنة . وقال ابن عباس : وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، كما أخبر التنزيل . ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة . حتى كثر الناس وفشوا . وقال وهب : بعث نوح وهو ابن خمسين سنة . وقال عون بن شداد : بعث نوح وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة . وفي كثير من كتب الحديث : الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام . وذكر النقاش عن سليمان بن أرقم عن الزهري : أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن نوح . والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة ، وكل جلد أسود من ولد حام بن نوح . والترك وبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يافث بن نوح . والخلق كلهم ذرية نوح .

قوله تعالى : " ما لكم من إله غيره " برفع " غيره " قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة . أي ما لكم إله غيره . نعت على الموضع . وقيل : " غير " بمعنى إلا ، أي ما لكم من إله إلا الله . قال أبو عمرو : ما أعرف الجر ولا النصب . وقرأ الكسائي بالخفض على الموضع . ويجوز النصب على الاستثناء ، وليس بكثير ؛ غير أن الكسائي والفراء أجازا نصب " غير " في كل موضع يحسن فيه " إلا " تم الكلام أو لم يتم . فأجازا : ما جاءني غيرك . قال الفراء : هي لغة بعض بني أسد وقضاعة . وأنشد :

لم يَمْنَع الشُّرْبَ منها غيرَ أن هَتَفَتْ *** حمامةٌ في سَحُوق ذات أَوْقَالِ{[7206]}

قال الكسائي : ولا يجوز جاءني غيرك ، في الإيجاب ؛ لأن إلا لا تقع ههنا . قال النحاس : لا يجوز عند البصريين نصب " غير " إذا لم يتم الكلام . وذلك عندهم من أقبح اللحن .


[7204]:راجع ج 4 ص 62
[7205]:راجع ج 15 ص 115
[7206]:البيت لأبي قيس بن الأسلت. السحوق: ما طال من الدوم. وفي الخزانة في غصون. وأوقاله ثماره. ج 2 ص 45