التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا} (17)

أنشأ الاستدلال بخلق السماوات حضورَ الأرض في الخيال فأعقَبَ نوح به دليلَهُ السابقَ ، استدلالاً بأعجب ما يرونه من أحوال ما على الأرض وهو حال الموت والإِقبار ، ومهَّد لذلك ما يتقدمه من إنشاء الناس .

وأدمج في ذلك تعليمهم بأن الإِنسان مخلوق من عناصر الأرض مثل النبات وإعلامهم بأن بعد الموت حياة أخرى .

وأُطلق على معنى : أنشأكم ، فعلُ { أنبتكم } للمشابهة بين إنشاء الإِنسان وإنبات النبات من حيث إن كليهما تكوين كما قال تعالى : { وأنبتها نباتاً حسناً } [ آل عمران : 37 ] ، أي أنشأها وكما يقولون : زَرعك الله للخير ، ويزيد وجه الشبه هنا قرباً من حيث إن إنشاء الإِنسان مركب من عناصر الأرض ، وقيل التقدير : أنبتَ أصلكم ، أي آدم عليه السلام ، قال تعالى : { كمثل آدم خلقه من تراب } [ آل عمران : 59 ] .

و { نباتاً } : اسم من أنبت ، عومل معاملة المصدر فوقع مفعولاً مطلقاً ل { أنبتكم } للتوكيد ، ولم يجر على قياس فعله فيقال : إنباتاً ، لأن نباتاً أخف فلما تسَنى الإِتيان به لأنه مستعمل فصيح لم يُعدل عنه إلى الثقيل كمالاً في الفصاحة ، بخلاف قوله بعده { إخراجاً } فإنه لم يعدل عنه إلى : خروجاً ، لعدم ملاءمته لألفاظ الفواصل قبلَه المبنية على ألف مثل ألف التأسيس فكما تعدّ مخالفتها في القافية عيباً كذلك تُعدّ المحافظة عليها في الأسجاع والفواصل كمالاً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا} (17)

يعني آدم عليه السلام خلقه من أديم الأرض كلها ، قاله ابن جريج . وقد مضى في سورة " الأنعام{[15389]} والبقرة " بيان ذلك . وقال خالد بن معدان : خلق الإنسان من طين ، فإنما تلين القلوب في الشتاء . و " نباتا " مصدر على غير المصدر ؛ لأن مصدره أنبت إنباتا ، فجعل الاسم الذي هو النبات في موضع المصدر . وقد مضى بيانه في سورة " آل عمران{[15390]} " وغيرها . وقيل : هو مصدر محمول على المعنى ؛ لأن معنى : " أنبتكم " جعلكم تنبتون نباتا ، قاله الخليل والزجاج . وقيل : أي أنبت لكم من الأرض النبات . " فنباتا " على هذا نصب على المصدر الصريح . والأول أظهر . وقال ابن جريج{[15391]} : أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر .


[15389]:راجع جـ 6 ص 388. وجـ 1 ص 279.
[15390]:راجع جـ 4 ص 69.
[15391]:في ح، ز، ل: "وقال ابن بحر".