التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا} (28)

جعل الدعاء لنفسه ووالديه خاتمة مناجاته فابتدأ بنفسه ثم بأقرب الناس به وهما والده ، ثم عمّم أهله وذويه المؤمنين فدخل أولاده وبنوهم والمؤمنات من أزواجهم وعبر عنهم بمن دخل بيته كناية عن سكناهم معه ، فالمراد بقوله { دخل بيتي } دخول مخصوص وهو الدخول المتكرر الملازم . ومنه سميت بطانة المرء دَخيلته ودُخْلَته ، ثم عمم المؤمنين والمؤمنات ، ثم عاد بالدعاء على الكفرة بأن يحرمهم الله النجاح وهو على حد قوله المتقدم { ولا تزد الظالمين إلاّ ضلالاً } [ نوح : 24 ] .

والتبَار : الهلاك والخسار ، فهو تخصيص للظالمين من قومه بسؤال استئصالهم بعد أن شملهم وغيرهم بعموم قوله : { لا تَذر على الأرض من الكافرين ديّاراً } [ نوح : 26 ] حرصاً على سلامة المجتمع الإِنساني من شوائب المفاسد وتطهيره من العناصر الخبيثة .

ووالداه : أبوه وأمه ، وقد ورد اسم أبيه في التوراة ( لَمَك ) وأما أمه فقد ذكر الثعلبي أنّ اسمها شَمْخَى بنتُ آنُوش .

وقرأ الجمهور { بيتي } بسكون ياء المتكلم . وقرأه حفص عن عاصم بتحريكها .

واستثناء { إلاّ تباراً } منقطع لأن التبار ليس من الزيادة المدعو بنفيها فإنه أراد لا تزدهم من الأموال والأولاد لأن في زيادة ذلك لهم قوةً لهم على أذى المؤمنين . وهذا كقول موسى عليه السلام : { ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأَه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك } [ يونس : 88 ] الآية . وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده كقوله : { فلم يزدهم دعائي إلاّ فراراً } [ نوح : 6 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا} (28)

قوله تعالى : " رب اغفر لي ولوالدي " دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين . وهما : لمك{[15414]} بن متوشلخ وشمخى بنت أنوش ؛ ذكره القشيري والثعلبي . وحكى الماوردي في اسم أمه منجل . وقال سعيد بن جبير : أراد بوالديه أباه وجده . وقرأ سعيد بن جبير " لوالدي " بكسر الدال على الواحد . قال الكلبي : كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمنون . وقال ابن عباس : لم يكفر لنوح والد فيما بينه وبين آدم عليهما السلام . " ولمن دخل بيتي مؤمنا " أي مسجدي ومصلاي مصليا صدقا بالله . وكان إنما يدخل بيوت الأنبياء من آمن منهم فجعل المسجد سببا للدعاء بالمغفرة . وقد قال النبي . صلي الله عليه وسلم : ( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلي فيه ما لم يحدث فيه تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ) الحديث . وقد تقدم . وهذا قول ابن عباس : " بيتي " مسجدي ، حكاه الثعلبي وقاله الضحاك . وعن ابن عباس أيضا : أي ولمن دخل ديني ، فالبيت بمعنى الدين ، حكاه القشيري وقاله جويبر . وعن ابن عباس أيضا : يعني صديقي الداخل إلى منزلي ، حكاه الماوردي . وقيل : أراد داري . وقيل سفينتي . " وللمؤمنين والمؤمنات " عامة إلى يوم القيامة ، قاله الضحاك . وقال الكلبي : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : من قومه ، والأول أظهر . " ولا تزد الظالمين " أي الكافرين . " إلا تبارا " إلا هلاكا ، فهي عامة في كل كافر ومشرك . وقيل : أراد مشركي قومه . والتبار : الهلاك . وقيل : الخسران ، حكاهما السدي . ومنه قوله تعالى : " إن هؤلاء متبر ما هم فيه{[15415]} " [ الأعراف : 139 ] . وقيل : التَّبَار الدمار ، والمعنى واحد . والله أعلم بذلك . وهو الموفق للصواب .


[15414]:في حاشية الجمل "لمك" بفتحتين أو بفتح فسكون. و "متوشلخ" بضم الميم وفتح التاء والواو وسكون الشين وكسر اللام. و "شمخى" بوزن سكرى.
[15415]:راجع جـ 7 ص 273.