التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا} (13)

بَدَّلَ خطابه مع قومه من طريقة النصح والأمر إلى طريقة التوبيخ بقوله : { ما لكم لا ترجون لله وقاراً .

وهو استفهام صورته صورة السؤال عن أمر ثبت لهم في حال انتفاء رجائهم توقيرَ الله .

والمقصود أنه لا شيء يثبت لهم صارف عن توقير الله فلا عذر لكم في عدم توقيره .

وجملة { لا تَرجُون } في موضع الحال من ضمير المخاطبين ، وكلمة ( مَا لَك ) ونحوها تلازمها حال بعدها نحو { فما لهم عن التذكرة معرضين } [ المدثر : 49 ] .

وقد اختلف في معنى قوله : { ما لكم لا ترجون لله وقاراً } وفي تعلق معمولاته بعوامله على أقوال : بعضُها يرجع إلى إبقاء معنى الرجاء على معناه المعروف وهو ترقب الأمر ، وكذلك معنى الوقار على المتعارف وهو العظمة المقتضية للإِجلال ، وبعضها يرجع إلى تأويل معنى الرجاء ، وبعضها إلى تأويل معنى الوقار ، ويتركب من الحمل على الظاهر ومن التأويل أن يكون التأويل في كليهما ، أو أن يكون التأويل في أحدهما مع إبقاء الآخر على ظاهر معناه .

فعلى حمل الرجاء على المعنى المتعارف الظاهر وحمل الوقار كذلك قال ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية وعَطاء ابن أبي رباح وابن كيسان : ما لكم لا ترجون ثواباً من الله ولا تخافون عقاباً ، أي فتعبدوه راجين أن يثيبكم على عبادتكم وتوقيرِكم إياه . وهذا التفسير ينحو إلى أن يكون في الكلام اكتفاء ، أي ولا تخافون عقاباً ، وإن نكتة الاكتفاء بالتعجب من عدم رجاء الثواب : أن ذلك هو الذي ينبغي أن يقصده أهل الرشاد والتقوى . وإلى هذا المعنى قال صاحب « الكشاف » : إذ صدر بقوله : ما لكم لا تكونون على حال تأمُلُون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب .

وهذا يقتضي أن يكون الكلام كنايةً تلويحية عن حثهم على الإِيمان بالله الذي يستلزم رجاء ثوابه وخوفَ عقابه لأن من رجا تعظيم الله إياه آمن به وعبده وعمل الصالحات .

وعلى تأويل معنى الرجاء قال مجاهد والضحاك : معنى { لا ترجون } لا تبالون لله عظمة ، قال قطرب : هذه لغة حجازية لمضر وهُذيل وخزاعة يقولون : لم أرجُ أي لم أُبال ، وقال الوالبي والعَوفي عن ابن عباس : معنى { لا ترجون } لا تعلمون ، وقال مجاهد أيضاً : لا ترون ، وعن ابن عباس أنه سأَله عنها نافعُ بنُ الأزرق ، فأجابه أن الرجاء بمعنى الخوف ، وأنشد قول أبي ذؤيب :

إذا لسَعَتْه النحلُ لم يرج لَسْعها *** وحَالفها في بيت نُوبٍ عواسل

أي لم يَخَفْ لسعها واستمرّ على اشتيار العسل . قال الفراء : إنما يوضع الرجاء موضع الخوف لأن مع الرجاء طرفاً من الخوف من الناس ومن ثم استعمل الخوف بمعنى العِلم كقوله تعالى : { فإن خِفتم أن لا يُقيما حدود الله الآية } [ البقرة : 229 ] ، والمعنى : لا تخافون عظمة الله وقدرته بالعقوبة .

وعلى تأويل الوقار قال قتادة : الوقار : العاقبة ، أي ما لكم لا ترجون لله عاقبة ، أي عاقبة الإِيمان ، أي أن الكلام كناية عن التوبيخ على تركهم الإِيمان بالله ، وجعل أبو مسلم الأصفهاني : الوقار بمعنى الثبات ، قال : ومنه قوله تعالى : { وقَرْن في بيوتكن } [ الأحزاب : 33 ] أي اثبُتن ، ومعناه ما لكم لا تُثبتون وحدانية الله .

وتتركب من هذين التأويلين معان أخرى من كون الوقار مسنداً في التقدير إلى فاعله أو إلى مفعوله ، وهي لا تخفى .

وأما قوله { لله } فالأظهر أنه متعلق ب { ترجون ، } ويجوز في بعض التأويلات الماضية أن يكون متعلقاً ب { وقاراً } : إمَّا تعلّق فاعل المصدر بمصدره فتكون اللام في قوله { لله } لشبه الملك ، أي الوقارَ الذي هو تصرف الله في خلقه إن شاء أن يوقركم ، أي يكرمكم بالنعيم ، وإِمّا تعلقَ مفعوللِ المصدر ، أي أن توقروا الله وتخشوه ولا تتهاونوا بشأنه تهاون من لا يخافه فتكون اللام لام التقوية .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا} (13)

قيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف ، أي مالكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أحدكم بالعقوبة . أي أي عذر لكم في ترك الخوف من الله . وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح : ما لكم لا ترجون لله ثوابا ولا تخافون له عقابا . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : مالكم لا تخشون لله عقابا وترجون منه ثوابا . وقال الوالبي والعوفي عنه : مالكم لا تعلمون لله عظمة . وقال ابن عباس أيضا ومجاهد : مالكم لا ترون لله عظمة . وعن مجاهد والضحاك : مالكم لا تبالون لله عظمة . قال قطرب : هذه لغة حجازية . وهذيل وخزاعة ومضر يقولون : لم أرج : لم أبال . والوقار : العظمة . والتوقير : التعظيم . وقال قتادة : مالكم لا ترجون لله عاقبة ، كأن المعنى مالكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان . وقال ابن كيسان : مالكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا . وقال ابن زيد : مالكم لا تؤدون لله طاعة . وقال الحسن : مالكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة . وقيل : مالكم لا توحدون الله ؛ لأن من عظمه فقد وحده . وقيل : إن الوقار الثبات لله عز وجل ، ومنه قوله تعالى : " وقرن في بيوتكن{[15386]} " [ الأحزاب : 33 ] أي اثبتن . ومعناه مالكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى وأنه إلهكم لا إله لكم سواه ، قاله ابن بحر .


[15386]:راجع جـ 14 ص 178.