التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ} (3)

انتصب { ربّك } على المفعولية لفعل ( كَبِّر ) قُذم على عامله لإِفادة الاختصاص ، أي لا تكبر غيره ، وهو قصر إفراد ، أي دون الأصنام .

والواو عطَفت جملة { ربَّك فكبر } على جملة { قم فأنذر } [ المدثر : 2 ] .

ودخلت الفاء على ( كَبّر ) إيذاناً بشرطٍ محذوف يكون ( كَبِّر ) جوابه ، وهو شرط عام إذ لا دليل على شرط مخصوص وهُيِّىء لِتقدير الشرط بتقديم المفعول . لأن تقديم المعمول قد ينزل منزلة الشرط كقول النبي صلى الله عليه وسلم " ففيهما فجاهد " ( يعني الأبوين ) .

فالتقدير : مهمْا يكن شيء فكبّرْ ربّك .

والمعنى : أن لا يفتر عن الإِعلان بتعظيم الله وتوحيده في كُل زمان وكل حال وهذا من الإِيجاز . وجوز ابن جني أن تكون الفاء زائدة قال : هو كقولك زيداً فاضرب ، تُريد : زيداً اضرب .

وتكبير الرب تعظيمه ففعل ( كبّر ) يفيد معنى نسبة مفعوله إلى أصل مادة اشتقاقه وذلك من معاني صيغة فَعَّل ، أي أخبر عنه بخبر التعظيم ، وهو تكبير مجازي بتشبيه الشيء المعظَّم بشيء كبير في نوعه بجامع الفضل على غيره في صفات مثله .

فمعنى { وربَّك فكبِّر } : صِف ربّك بصفات التعظيم ، وهذا يشمل تنزيهه عن النقائص فيشمل توحيده بالإلهية وتنزيهه عن الولد ، ويشمل وصفه بصفات الكمال كلها .

ومعنى ( كبِّر ) : كبره في اعتقادك : وكبره بقولك تسبيحاً وتعليماً . ويشمل هذا المعنى أن يقول : « الله أكبر » لأنه إذا قال هذه الكلمة أفاد وصف الله بأنه أكبر من كل كبير ، أي أجلّ وأنزه من كل جليل ، ولذلك جعلت هذه الكلمة افتتاحاً للصلاة .

وأحسب أن في ذكر التكبير إيماء إلى شرع الصلاة التي أولها التكبير وخاصة اقترانه بقوله : { وثيابك فطهر } [ المدثر : 4 ] فإنه إيماء إلى شرع الطهارة ، فلعل ذلك إعداد لشرع الصلاة . ووقع في رواية معمر عن الزهري عند مسلم أن قال : وذلك قبل أن تفرض الصلاة . فالظاهر أن الله فرض عليه الصلاة عقب هذه السورة وهي غير الصلوات الخمس فقد ثبت أنه صلى في المسجد الحرام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ} (3)

الرابعة- " وربك فكبر " أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظم ، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد . وفي حديث أنهم قالوا : بم تفتتح الصلاة ؟ فنزلت : " وربك فكبر " أي وصفه بأنه أكبر . قال ابن العربي : وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة ، فإنه مراد به التكبير{[15544]} والتقديس والتنزيه ، لخلع الأنداد والأصنام دونه ، ولا تتخذ وليا غيره ، ولا تعبد سواه ، ولا ترى لغيره فعلا إلا له ، ولا نعمة إلا منه . وقد روي أن أبا سفيان قال يوم أحد : اعل هبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قولوا الله أعلى وأجل ) وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها أذانا وصلاة وذكرا بقوله : " الله أكبر " وحمل عليه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق في موارد ، منها قوله : ( تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ) والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعمومه ، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله تخليصا له من الشرك ، وإعلانا{[15545]} باسمه في النسك ، وإفرادا لما شرع منه لأمره بالسفك . قلت : قد تقدم في أول سورة " البقرة " {[15546]} أن هذا اللفظ " الله أكبر " هو المتعبد به في الصلاة ، المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي التفسير : أنه لما نزل قوله تعالى : " وربك فكبر " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( الله أكبر )فكبرت خديجة ، وعلمت أنه الوحي من الله تعالى ، ذكره القشيري .

الخامسة- الفاء في قوله تعالى : " وربك فكبر " دخلت على معنى جواب الجزاء كما دخلت في ( فأنذر ) أي قم فأنذر وقم فكبر ربك ، قاله الزجاج . وقال ابن جني : هو كقولك زيدا فاضرب ، أي زيدا اضرب ، فالفاء زائدة .


[15544]:كذا في أحكام القرآن، تفسير ابن العربي المطبوع بالقاهرة سنة 1331هـ. وفيما نقله المؤلف عن ابن العربي هنا، تصرف في اللفظ بزيادة ونقص، فليرجع (ج 2/287).
[15545]:كذا في أحكام القرآن وفي ح، ز، و: "إعلاما" بالميم.
[15546]:راجع جـ 1 ص 175.