التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} (52)

تتنزّل هذه الجملة منزلة البيان لِما تضمّنته جملة { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } [ التوبة : 51 ] الآية ، ولذلك لم تعطف عليها ، والمبيّن هو إجمالُ { ما كتب الله لنا هو مولانا } [ التوبة : 51 ] كما تقدّم .

والمعنى لا تنتظرون من حالنا إلاّ حسنة عاجلة أو حسنة آجلة فأمّا نحن فننتظر من حالكم أن يعذبكم الله في الآخرة بعذاب النار ، أو في الدنيا بعذاب على غير أيدينا من عذاب الله في الدنيا : كالجوع والخوف ، أو بعذابٍ بأيدينا ، وهو عذاب القتل ، إذا أذن الله بحربكم ، كما في قوله : { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم } [ الأحزاب : 60 ] الآية .

والاستفهام مستعمل في النفي بقرينة الاستثناء . ومعنى الكلام توبيخ لهم وتخطئة لتربّصهم لأنّهم يتربّصون بالمسلمين أن يقتلوا ، ويغفلون عن احتمال أن ينصروا فكان المعنى : لا تتربّصون بنا إلا أن نقتل أو نغلِب وذلك إحدى الحسنين .

والتربص : انتظار حصول شيء مرغوب حصوله ، وأكثر استعماله . أن يكون انتظارَ حصول شيء لغير المنتظِر ( بكسر الظاء ) ولذلك كثرت تعدية فعل التربّص بالباء لأن المتربّص ينتظر شيئاً مصاحباً لآخرِ هو الذي لأجله الانتظار . وأمّا قوله : { والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [ البقرة : 228 ] فقد نزلت { أنفسهن } منزلة المغاير للمبالغة في وجوب التربّص ، ولذلك قال في « الكشّاف » : « في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربّص وزيادة بعث » . وقد تقدم ذلك هنالك ، وأمّا قوله : { للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر } [ البقرة : 226 ] فهو على أصل الاستعمال لأنّه تربّص بأزواجهم .

وجملة { ونحن نتربص بكم } معطوفة على جملة الاستفهام عَطف الخبر على الإنشاء : بل على خبر في صورة الإنشاء ، فهي من مقول القول وليس فيها معنى الاستفهام . والمعنى : وجود البون بين الفريقين في عاقبة الحرب في حالي الغلبة والهزيمة .

وجعلت جملة { ونحن نتربص } اسميةً فلم يقل ونتربّص بكم بخلاف الجملة المعطوف عليها : لإفادة تقوية التربّص ، وكناية عن تقوية حصول المتربَّص لأن تقوية التربّص تفيد قوة الرجاء في حصول المتربَّص فتفيد قوّة حصوله وهو المكنّى عنه .

وتفرّع على جملة { هل تربصون بنا } جملة { فتربصوا إنا معكم متربصون } لأنّه إذا كان تربّص كلّ من الفريقين مسفراً عن إحدى الحالتين المذكورتين كان فريق المؤمنين أرضى الفريقين بالمتَّربِّصين لأنّ فيهما نفعه وضرّ عدوّه .

والأمر في قوله : { تربّصوا } للتحْضيض المجازي المفيد قلّة الإكتراث بتربّصهم كقول طَريف بن تميم العنبري :

فتوسَّمُوني إنَّني أنَا ذلكُم *** شَاكِي سِلاحي في الحوادث مُعْلَم

وجملة { إنا معكم متربصون } تهديد للمخاطبين والمعية هنا : معية في التّربص ، أو في زمانه ، وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنّها كالعلّة للحضّ .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} (52)

قوله تعالى : " قل هل تربصون بنا " والكوفيون يدغمون اللام في التاء . فأما لام المعرفة فلا يجوز إلا الإدغام ، كما قال جل وعز : " التائبون " [ التوبة : 112 ] لكثرة لام المعرفة في كلامهم ، ولا يجوز الإدغام في قوله : " قل تعالوا " [ الأنعام : 151 ] لأن " قل " معتل ، فلم يجمعوا عليه علتين . والتربص الانتظار . يقال : تربص بالطعام أي انتظر به إلى حين الغلاء . والحسنى تأنيث الأحسن . وواحد الحسنيين حسنى ، والجمع الحسنى . ولا يجوز أن ينطق به إلا معرفا . لا يقال : رأيت امرأة حسنى . والمراد بالحسنيين الغنيمة والشهادة ، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . واللفظ استفهام والمعنى توبيخ . " ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده " أي عقوبة تهلككم كما أصاب الأمم الخالية من قبلكم . " أو بأيدينا " أي يؤذن لنا في قتالكم . " فتربصوا " تهديد ووعيد . أي انتظروا مواعد الشيطان إنا منتظرون مواعد الله .