التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ} (5)

وقوله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } صفة { للمصلين } مقيِّدة لحكم الموصوف فإن الويل للمصلي الساهي عن صلاته لا للمصلي على الإطلاق .

فيكون قوله { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ترشيحاً للتهكم الواقع في إطلاق وصف المصلين عليهم .

وعدي { ساهون } بحرف { عن } لإفادة أنهم تجاوزوا إقامة صلاتهم وتركوها ولا علاقة لهذه الآية بأحكام السهو في الصلاة .

وقوله : { الذين عن صلاتهم ساهون } يجوز أن يكون معناه الذين لا يؤدون الصلاة إلاّ رياء فإذا خلوا تركوا الصلاة .

ويجوز أن يكون معناه : الذين يصلون دون نية وإخلاص فهم في حالة الصلاة بمنزلة الساهي عما يفعل فيكون إطلاق { ساهون } تهكماً كما قال تعالى : { يراءون الناس ولا يذكرون اللَّه إلا قليلاً في المنافقين } في سورة النساء ( 142 ) .

و ( يراءون ) يقصدون أن يَرى الناسُ أنهم على حال حسن وهم بخلافه ليتحدث الناس لهم بمحاسنَ ما هم بموصوفين بها ، ولذلك كَثر أن تعطف السُّمعة على الرياء فيقال : رياء وسُمعة .

وهذا الفعل وارد في الكلام على صيغة المفاعلة ولم يسمع منه فعل مجرد لأنه يلازمه تكرير الإِراءة .

و{ الماعون } : يطلق على الإِعانة بالمال ، فالمعنى : يمنعون فضلهم أو يمنعون الصدقة على الفقراء . فقد كانت الصدقة واجبة في صدر الإِسلام بغير تعيين قبل مشروعية الزكاة .

وقال سعيد بن المسيب وابن شهاب : الماعون : المال بلسان قريش .

وروى أشهب عن مالك : الماعون : الزكاة ، ويشهد له قول الراعي :

قوم على الإِسلام لمّا يمنعوا *** ماعونهم ويضيِّعوا التهليلا

لأنه أراد بالتهليل الصلاة فجمع بينها وبين الزكاة .

ويطلق على ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وشدّ وحفر ونحو ذلك مما لا خسارة على صاحبه في إعارته وإعطائه . وعن عائشة : الماعون الماء والنار والملح . وهذا ذم لهم بمنتهى البخل . وهو الشح بما لا يزرئهم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ} (5)

الذين يؤدون حركات الصلاة ، وينطقون بأدعيتها ، ولكن قلوبهم لا تعيش معها ، ولا تعيش بها ، وأرواحهم لا تستحضر حقيقة الصلاة وحقيقة ما فيها من قراءات ودعوات وتسبيحات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ} (5)

{ الذين هم عن صلاتهم ساهون } فروى الضحاك عن ابن عباس قال : هو المصلي الذي إن صلى لم يرج لها ثوابا ، وإن تركها لم يخش عليها عقابا . وعنه أيضا : الذين يؤخرونها عن أوقاتها . وكذا روى المغيرة عن إبراهيم ، قال : ساهون بإضاعة الوقت . وعن أبي العالية : لا يصلونها لمواقيتها ، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها .

قلت : ويدل على هذا قوله تعالى : { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة } [ مريم : 59 ] حسب ما تقدم بيانه في سورة " مريم " {[16470]} عليها السلام . وروي عن إبراهيم أيضا : أنه الذي إذا سجد قام برأسه هكذا ملتفتا . وقال قطرب : هو ألا يقرأ ولا يذكر الله . وفي قراءة عبد الله " الذين هم عن صلاتهم لاهون " . وقال سعد بن أبي وقاص : قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } - قال - : ( الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، تهاونا بها ) . وعن ابن عباس أيضا : هم المنافقون يتركون الصلاة سرا ، يصلونها علانية { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى }{[16471]} [ النساء : 142 ] . . الآية . ويدل على أنها في المنافقين قوله : { الذين هم يراؤون } ، وقال ابن وهب عن مالك : قال ابن عباس : ولو قال في صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين . وقال عطاء : الحمد لله الذي قال { عن صلاتهم } ، ولم يقل في صلاتهم . قال الزمخشري : فإن قلت : أي فرق بين قوله : { عن صلاتهم } ، وبين قولك : في صلاتهم ؟ قلت : معنى " عن " أنهم ساهون عنها سهو ترك لها ، وقلة التفات إليها ، وذلك فعل المنافقين ، أو الفسقة الشطار{[16472]} من المسلمين . ومعنى " في " أن السهو يعتريهم فيها ، بوسوسة شيطان ، أو حديث نفس ، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته ، فضلا عن غيره ، ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم . قال ابن العربي : لأن السلامة من السهو محال ، وقد سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته والصحابة ، وكل من لا يسهو في صلاته ، فذلك رجل لا يتدبرها ، ولا يعقل قراءتها ، وإنما همه في أعدادها ، وهذا رجل يأكل القشور ، ويرمي اللب . وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته إلا لفكرته في أعظم منها ، اللهم إلا أنه قد يسهو في صلاته من يقبل على وسواس الشيطان إذا قال له : اذكر كذا ، اذكر كذا ؛ لما لم يكن يذكر ، حتى يضل الرجل أن يدري كم صلى .


[16470]:راجع جـ 11 ص 212.
[16471]:آية 142 سورة النساء.
[16472]:في نسخة من الأصل: "الشياطين". والشطار: جمع شاطر، وهو الذي ترك موافقة أهله، وأعياهم لؤما وخبثا.