اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ} (5)

قال سعد بن أبي وقَّاص - رضي الله عنه - : قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ } : «الَّذينَ يُؤخِّرُون الصَّلاة عَنْ وقْتِهَا تهَاوُناً بِهَا »{[60933]} .

وقيل : لا يتمُّون ركوعها ، ولا سجودها .

وقال إبراهيم : هو الذي يلتفت في سجوده . وقال قطربٌ : هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله ، وفي قراءة عبد الله : «الذين هم عن صلاتهم لاهون »{[60934]} .

[ وعن ابن عباس أيضاً : هم المنافقون يتركون الصلاة سراً ، ويصلونها علانية{ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } الآية ، وهذا يدل على أنها في المنافقين قوله : { الذين هُمْ يُرَآءُونَ } ، ورواه ابن وهب عن مالك رضي الله عنه ]{[60935]} .

فصل

قال ابن عبَّاس : ولو قال : «في صلاتهم ساهون » لكانت في المؤمنين{[60936]} ، وقال عطاء : الحمد لله الذي قال : { عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ } ولم يقل : في صلاتهم ، فدل على أن الآية في المنافقين{[60937]} .

قال الزمخشريُّ{[60938]} : فإن قلت : أي فرق بين قوله تعالى : { عَن صَلاَتِهِمْ } وبين قوله : «في صلاتهم » ؟

قلت : معنى «عَنْ » أنهم ساهون عنها سهو ترك لها ، وقلة التفات إليها ، وذلك فعل المنافقين ، أو الفسقة الشطار من المسلمين ، ومعنى «فِي » أن السَّهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان ، أو حديث نفس ، وذلك لا يكاد يخلو منه إنسان ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقع له السَّهْوُ في صلاته فضلاً عن غيره .

قال ابن الخطيب{[60939]} : قال كثير من العلماء : إنه صلى الله عليه وسلم ما سها في صلاته ، لكن أذن الله له في ذلك الفعل بياناً للتشريع في فعل السَّاهي ، ثم بتقدير وقوع السهو منه ، فالسهو على أقسام :

أحدها : سهو الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه ، وذلك يجبر بالسنن تارة ، وبالسُّنن والنوافل تارة .

والثاني : ما يكثر في الصلاة من الغفلة ، وعدم استحضار النِّيَّة ، وهذا يقع كثيراًَ .

والثالث : ترك الصَّلاة ، لا إلى قضاء الإخراج من الوقت ، ومن ذلك صلاة المُنافق ؛ لأنه يستهزئ بالدين ، والفرق بين المُنافق والمُرائي : أنَّ المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان ، والمرائي : إنما يظهرُ زيادة الخُشُوع ليعتقد من يراه دينه ، أو يقال : إن المنافق لا يصلي سراً ، والمرائي تكون صلاته عند النَّاس .

قال ابن العربي : السَّلامة عند السَّهو محال .

قوله : { الذين هُمْ يُرَآءُونَ } ، أي : يُري الناس أنه يصلي طاعة ، وهو يصلي تقيَّة كالفاسق ، يري أنه يصلي عبادة ، وهو يصلي ليقال : إنه يصلي ، وحقيقة الرِّياء : طلب ما في الدنيا بالعبادة ، وأصله : طلب المنزلةِ في قُلوب الناس ، وهو من وجوه :

أولها : تحسين السَّمت ، يريد بذلك الجاه ، والثناء .

وثانيها : الرياء بالثياب القصار والخشنة ليتشبه بالزهادِ .

وثالثها : إظهار السخط على الدنيا ، وإظهار الوعظ ، والتأسّف على فوات الخير والطاعة .

ورابعها : إظهار الصلاة ، والصدقة ، وتحسين الصلاة ؛ لأجل رؤية الناس ، وغير ذلك مما يطول ذكره .

فصل في الرياء

لا يكون الرجل مُرائياً بإظهار العمل المفروض ؛ لأن حق الفرائض الإعلان وإشهارها لقوله صلى الله عليه وسلم : «ولا غمةُ فِي فَرائضِ اللهِ » ، ولأنها أعلام الإسلام وشرائع الدين ، ويستحق تاركها الذم ، والمَقْت ، فوجب إماطة التُّهمة بإظهارها ، وأما التطوع فحقه أن يخفى ؛ لأنه مما لا يلام بتركه ، ولا تهمة فيه ، فإن أظهره قاصداً للاقتداء كان جميلاً ، وإن قصد بإظهاره أن الأعين تنظر إليه ، ويثنى عليه بالصَّلاح فهو الرياء .


[60933]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/706)، والبزار (392 – كشف)، والبيهقي (2/214)، مرفوعا. قال البيهقي : وهذا الحديث إنما يصح مرقوفا. والموقوف أخرجه الطبري (12/6 -7)، والبيهقي (2/214)، وأبو يعلى (2/64)، عن سعد. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد)، وقال: رواه أبو يعلى وإسناده حسن. وذكره مرفوعا (7/143)، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف جدا. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/683)، مرفوعا وموقوفا. وزاد نسبته المرفوع إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. أما الموقوف فزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.
[60934]:ينظر المحرر الوجيز 5/527.
[60935]:سقط من: ب.
[60936]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (20/144).
[60937]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/708)، عن عطاء بن يسار وذكره السيوطي في "الدرالمنثور" (6/683)، وعزاه إلى الطبري.
[60938]:الكشاف 4/805.
[60939]:الفخر الرازي 32/107.