التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ} (9)

جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً لأنّ الكلام المتقدم يثير سؤالاً في نفوس السّامعين عن غرض القائلين ممّا قالوه فهذا المقصود للقائلين . وإنّما جعلوا له الكلام السابق كالمقدمة لتتأثّر نفوس السّامعين فإذا ألقي إليها المطلوب كانت سريعة الامتثال إليه .

وهذا فنّ من صناعة الخطابة أن يفتتح الخطيب كلامه بتهيئة نفوس السّامعين لتتأثّر بالغرض 4المطلوب . فإنّ حالةَ تأثّر النفوس تغني عن الخطيب غَناء جمَل كثيرة من بيان العلل والفوائد ، كما قال الحريري في المقامة الحادية عشرة « فلما دَفنوا الميْت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخٌ من رِباوة ، متأبّطاً لهراوة ، فقال لمثل هذا فليعمل العاملون » . وانهلّ في الخطب .

والأمر مستعمل في الإرشاد . وأرادوا ارتكاب شيء يفرّق بين يوسف وأبيه عليهما السّلام تفرقة لا يحاول من جَرّائِهَا اقتراباً بأن يعدموه أو ينقلوه إلى أرض أخرى فيهلك أو يفْتَرَس .

وهذه آية من عبر الأخلاق السيّئة وهي التّخلّص من مزاحمة الفاضل بفضله لمن هو دونه فيه أو مساويه بإعدام صاحب الفضل وهي أكبر جريمة لاشتمالها على الحسد ، والإضرار بالغير ، وانتهاك ما أمر الله بحفظه ، وهم قد كانوا أهل دين ومن بيت نبوءة وقد أصلح الله حالهم من بعد وأثنى عليهم وسمّاهم الأسباط .

وانتصب { أرضاً } على تضمين { اطْرَحوه } معنى أوْدعوه ، أو على نزع الخافض ، أو على تشبيهه بالمفعول فيه لأنّ { أرضاً } اسم مكان فلما كان غيرَ محدود وزاد إبهاماً بالتّنكير عومِلَ معاملة أسماء الجهات ، وهذا أضعف الوجوه . وقد علم أنّ المراد أرض مجهولة لأبيه .

وجَزم { يَخْلُ } في جواب الأمر ، أي إنْ فعلتم ذلك يخلُ لكم وجه أبيكم .

والخلوّ : حقيقته الفراغ . وهو مستعمل هنا مجازاً في عدم التوجّه لمن لا يرغبون توجّهه له ، فكأنّ الوجه خلا من أشياء كانت حالة فيه .

واللاّم في قوله { لكم } لام العلة ، أي يخل وجه أبيكم لأجلكم ، بمعنى أنّه يخلو ممّن عداكم فينفرد لكم .

وهذا المعنى كناية تلويح عن خلوص محبّته لهم دون مشارك .

وعطف { وتكونوا من بعده } أي من بعد يوسف عليه السّلام على { يخل } ليكون من جملة الجواب للأمر . فالمراد كونٌ ناشيء عن فعل المأمور به فتعيّن أن يكون المراد من الصلاح فيه الصلاح الدنيوي ، أيْ صلاح الأحوال في عيشهم مع أبيهم ، وليس المراد الصلاح الديني .

وأنّما لم يدبروا شيئاً في إعدام أخي يوسف عليه السّلام شفقةً عليه لصغره .

وإقحام لفظ { قوماً } بَيْنَ كان وخبرها للإشارة إلى أنّ صلاح الحال صفة متمكّنة فيهم كأنّه من مقوّمات قوميّتهم . وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى { لآيات لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) وعند قوله تعالى : { وما تغني الآيات والنّذر عن قوم لا يؤمنون } في سورة يونس ( 101 ) .

وهذا الأمر صدر من قائله وسامعيه منهم قبل اتّصافهم بالنبوءة أو بالولاية لأنّ فيه ارتكاب كبيرة القتل أو التّعذيب والاعتداء ، وكبيرة العقوق .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ} (9)

ثُم يغلي الحقد ويدخل الشيطان ، فيختل تقديرهم للوقائع ، وتتضخم في حسهم أشياء صغيرة ، وتهون أحداث ضخام . تهون الفعلة الشنعاء المتمثلة في إزهاق روح . روح غلام بريء لا يملك دفعا عن نفسه ، وهو لهم أخ . وهم أبناء نبي - وإن لم يكونوا هم أنبياء - يهون هذا . وتضخم في أعينهم حكاية إيثار أبيهم له بالحب . حتى توازي القتل . أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله :

( اقتلوا يوسف . أو اطرحوه أرضا ) . .

وهما قريب من قريب . فطرحه في أرض نائية مقطوعة مفض في الغلب إلى الموت . . ولماذا ؟

( يخل لكم وجه أبيكم ) . .

فلا يحجبه يوسف . وهم يريدون قلبه . كأنه حين لا يراه في وجهه يصبح قلبه خاليا من حبه ، ويتوجه بهذا الحب إلى الآخرين ! والجريمة ؟ الجريمة تتوبون عنها وتصلحون ما أفسدتم بارتكابها :

( وتكونوا من بعده قوما صالحين ) ! . .

هكذا ينزغ الشيطان ، وهكذا يسول للنفوس عندما تغضب وتفقد زمامها ، وتفقد صحة تقديرها للأشياء والأحداث . وهكذا لما غلا في صدورهم الحقد برز الشيطان ليقول لهم : اقتلوا . . والتوبة بعد ذلك تصلح ما فات ! وليست التوبة هكذا . إنما تكون التوبة من الخطيئة التي يندفع إليها المرء غافلا جاهلا غير ذاكر ؛ حتى إذا تذكر ندم ، وجاشت نفسه بالتوبة . أما التوبة الجاهزة ! التوبة التي تعد سلفا قبل ارتكاب الجريمة لإزالة معالم الجريمة ، فليست بالتوبة ، إنما هي تبرير لارتكاب الجريمة يزينه الشيطان !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ} (9)

قوله تعالى : " اقتلوا يوسف " في الكلام حذف ، أي قال قائل منهم : " اقتلوا يوسف " ليكون أحسم لمادة الأمر . " أو اطرحوه أرضا " أي في أرض ، فأسقط الخافض وانتصب الأرض ، وأنشد سيبويه فيما حذف منه " في " :

لَدْنٌ بِهَزِّ الكف يَعْسِلُ متنَه *** فيهِ كمَا عَسَلَ الطريقَ الثَّعْلَبُ{[8957]}

قال النحاس : إلا أنه في الآية حسن كثير ؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين ، أحدهما بحرف ، فإذا حذفت الحرف تعدى الفعل إليه . والقائل قيل : هو شمعون ، قاله وهب بن منبه . وقال كعب الأحبار : دان . وقال مقاتل : روبيل ؛ والله أعلم . والمعنى أرضا تبعد عن أبيه ، فلا بد من هذا الإضمار لأنه كان عند أبيه في أرض{[8958]} . " يخل " جزم ؛ لأنه جواب الأمر ، معناه : يخلص ويصفو . " لكم وجه أبيكم " فيقبل عليكم بكليته . " وتكونوا من بعده " أي من بعد الذنب ، وقيل : من بعد يوسف . " قوما صالحين " أي تائبين ، أي تحدثوا توبة بعد ذلك فيقبلها الله منكم ، وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة ؛ لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم . وقيل : " صالحين " أي يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل .


[8957]:البيت لساعدة بن جؤية وقد وصف فيه رمحا لين الهز، فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره، والعسلان: سير سريع في اضطراب. واللدن: الناعم اللين. ويروى : لذ. أي مستلذ عند الهز للينه. (شواهد سيبويه).
[8958]:في ع: أرضه.