التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ} (42)

إتباعهم باللعنة في الدنيا جعل اللعنة ملازمة لهم في علم الله تعالى ؛ فقدر لهم هلاكاً لا رحمة فيه ، فعبر عن تلك الملازمة بالاتباع على وجه الاستعارة لأن التابع لا يفارق متبوعه ، وكانت تلك عاقبة تلك اللعنة إلقاءهم في اليم . ويجوز أن يراد باللعنة لعن الناس إياهم ، يعني أن أهل الإيمان يلعنونهم .

وجزاؤهم يوم القيامة أنهم { من المقبوحين } ، والمقبوح المشتوم بكلمة ( قبح ) ، أي قبحه الله أو الناس ، أي جعله قبيحاً بين الناس في أعماله أي مذموماً ، يقال : قبحه بتخفيف الباء فهو مقبوح كما في هذه الآية ويقال : قبّحه بتشديد الباء إذا نسبه إلى القبيح فهو مقبّح ، كما في حديث أم زرع مما قالت العاشرة : « فعنده أقول فلا أقبّح » أي فلا يجعل قولي قبيحاً عنده غير مرضي .

والإشارة إلى الدنيا ب { هذه } لتهوين أمر الدنيا بالنسبة للآخرة .

والتخالف بين صيغتي قوله { وأتبعناهم } وقوله { هم من المقبوحين } ، لأن اللعنة في الدنيا قد انتهى أمرها بإغراقهم ، أو لأن لعن المؤمنين إياهم في الدنيا يكون في أحيان يذكرونهم ، فكلا الاحتمالين لا يقتضي الدوام فجيء معه بالجملة الفعلية . وأما تقبيح حالهم يوم القيامة فهو دائم معهم ملازم لهم فجيء في جانبه بالاسمية المقتضية الدوام والثبات .

وضمير { هم } في قوله { هم من المقبوحين } ليس ضمير فصل ولكنه ضمير مبتدأ وبه كانت الجملة اسمية دالة على ثبات التقبيح لهم يوم القيامة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ} (42)

وليست الهزيمة وحدها ، إنما هي اللعنة في هذه الأرض ، والتقبيح في يوم القيامة :

( وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ، ويوم القيامة هم من المقبوحين ) .

ولفظة( المقبوحين )ترسم بذاتها صورة القبح والفضيحة والتشنيع ، وجو التقزز والاشمئزاز . ذلك في مقابل الاستعلاء والاستكبار في الأرض ، وفتنة الناس بالمظهر والجاه ، والتطاول على الله وعلى عباد الله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ} (42)

" وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة " أي أمرنا العباد بلعنهم فمن ذكرهم لعنهم . وقيل : أي ألزمناهم اللعن أي البعد عن الخير " ويوم القيامة هم من المقبوحين " أي من المهلكين الممقوتين قاله ابن كيسان وأبو عبيدة . وقال ابن عباس : المشوهين الخلقة بسواد الوجوه وزرقة العيون . وقيل : من المبعدين يقال : قبحه الله أي نحاه من كل خير ، وقبَحَه وقبّحه إذا جعله قبيحا . وقال أبو عمرو : قبحت وجهه بالتخفيف معناه قبحت قال الشاعر :

ألا قبح الله البَرَاجِمَ كلها *** وقبح يَرْبُوعًا وقبح دَارِمَا

وانتصب يوما على الحمل على موضع " في هذه الدنيا " واستغنى عن حرف العطف في قوله : " من المقبوحين " كما استغنى عنه في قوله : " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم " [ الكهف : 22 ] ويجوز أن يكون العامل في " يوم " مضمرا يدل عليه قوله : " هم من المقبوحين " فيكون كقوله : " يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين " [ الفرقان : 22 ] ويجوز أن يكون العامل في " يوم " قوله " هم من المقبوحين " وإن كان الظرف متقدما ويجوز أن يكون مفعولا على السعة ، كأنه قال : وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة .