التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (14)

اعتراض بالردع وبيان له ، لأن { كلاّ } ردع لقولهم أساطير الأولين ، أي أن قولهم باطل . وحرف { بل } للإِبطال تأكيداً لمضمون { كلاّ } وبياناً وكشفاً لما حملهم على أن يقولوا في القرآن ما قالوا وأنه ما أعمى بصائرَهم من الرّيْن .

والرّين : الصدأ الذي يعلو حديدَ السيف والمِرآةِ ، ويقال في مصدر الرَّين الرانُ مثل العيب والعَاب ، والذيْم والذام .

وأصل فعله أن يسند إلى الشيء الذي أصابه الريْن ، فيقال : ران السيف وران الثوب ، إذا أصابه الريْن ، أي صار ذا رين ، ولما فيه من معنى التغطئة أطلق على التغطية فجاء منه فعل ران بمعنى غشي ، فقالوا : ران النعاس على فلان ، ورانت الخمر ، وكذلك قوله تعالى : { ران على قلوبهم } هو من باب رَان الرينُ على السيف ، وليس من باب رانَ السيفُ ، ومن استعمال القرآن هذا الفعل صار الناس يقولون : رِين على قلب فلان وفلان مَرينٌ على قلبه .

والمعنى : غَطَّت على قلوبهم أعمالهم أن يدخلها فهمُ القرآن والبوننِ الشاسِع بينه وبين أساطير الأولين .

وقرأ الجمهور بإدغام اللام في الراء بعد قلبها راء لتقارب مخرجيها .

وقرأه عاصم بالوقف على لام ( بل ) والابتداء بكلمة ران تجنباً للإدغام .

وقرأه حفص بسكتة خفيفة على لام { بل } ليبين أنها لام . قال في « اللسان » : إظهار اللام لغة لأهل الحجاز . قال سيبويه : هما حسنان ، وقال الزجاج : الإِدغام أرجح .

والقلوب : العقول ومَحالُّ الإِدراك . وهذا كقوله تعالى : { ختم اللَّه على قلوبهم } في سورة البقرة ( 7 ) .

ومن كلام رعاة الأعراب يخاطبون إبلهم في زمن شدة البرد إذا أوردوها الماءَ فاشمأزت منه لبرده بَرِّديهِ تَجديه سَخيناً أي بَلْ رديه وذلك من المُلَح الشبيهة بالمعاياة إذ في ظاهره طلب تبريده وأنه بالتبريد يوجد سخيناً .

و{ ما كانوا يكسبون } ما عملوه سالفاً من سيئات أعمالهم وجماحهم عن التدبر في الآيات حتى صار الإعراض والعناد خُلُقاً متأصلاً فيهم فلا تفهم عقولهم دلالة الأدلة على مدلولاتها .

روى الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نُكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب صُقِلَ قلبه فإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه وهو الران الذي ذكر الله في كتابه : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح .

ومجيء { يكسبون } بصيغة المضارع دون الماضي لإفادة تكرر ذلك الكسب وتعدده في الماضي .

وفي ذكر فعل { كانوا } دون أن يقال : ما يكسبون ، إشارة إلى أن المراد : ما كسبوه في أعمارهم من الإشراك قبل مجيء الإسلام فإنهم وإن لم يَكونوا مناط تكليف أيامئذ .

فهم مخالفون لما جاءت به الشرائع السالفة وتواتر وشاع في الأمم من الدعوة إلى توحيد الله بالإلهية على قول الأشعري وأهل السنة في توجيه مؤاخذة أهل الفترة بذنب الإشراك بالله حسبما اقتضته الأدلة من الكتاب والسنة أو مخالفون لمقتضى دلالة العقل الواضحة على قول الماتريدي والمعتزلة ولحق بذلك ما اكتسبوه من وقت مجيء الإسلام إلى أن نزلت هذه السورة فهي مدة ليست بالقصيرة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (14)

ويعقب على هذا التطاول والتكذيب بالزجر والردع : ( كلا ! )ليس كما يقولون . .

ثم يكشف عن علة هذا التطاول وهذا التكذيب ؛ وهذه الغفلة عن الحق الواضح وهذا الانطماس في قلوب المكذبين :

( بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) . .

أي غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبونه من الإثم والمعصية . والقلب الذي يمرد على المعصية ينطمس ويظلم ؛ ويرين عليه غطاء كثيف يحجب النور عنه ويحجبه عن النور ، ويفقده الحساسية شيئا فشيئا حتى يتبلد ويموت . .

روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال : " إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه . فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت " . . وقال الترمذي حسن صحيح . ولفظ النسائي : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء . فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه ، فهو الران الذي قال الله تعالى : ( كلا ! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) . . "

وقال الحسن البصري : هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت . .

ذلك حال الفجار المكذبين . وهذه هي علة الفجور والتكذيب . . ثم يذكر شيئا عن مصيرهم في ذلك اليوم العظيم . يناسب علة الفجور والتكذيب :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (14)

قوله تعالى : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " " كلا " : ردع وزجر ، أي ليس هو أساطير الأولين . وقال الحسن : معناها حقا " ران على قلوبهم " . وقيل : في الترمذي : عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب ، صقل قلبه ، فإن عاد زيد فيها ، حتى تعلو على قلبه ) ، وهو( الران ) الذي ذكر الله في كتابه : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " . قال : هذا حديث حسن صحيح . وكذا قال المفسرون : هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب . قال مجاهد : هو الرجل يذنب الذنب ، فيحيط الذنب بقلبه ، ثم يذنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه ، حتى تغشي الذنوب قلبه . قال مجاهد : هي مثل الآية التي في سورة البقرة : " بلى من كسب سيئة " [ البقرة : 81 ] الآية . ونحوه عن الفراء . قال : يقول كثرت المعاصي منهم والذنوب ، فأحاطت بقلوبهم ، فذلك الرين عليها . وروي عن مجاهد أيضا قال : القلب مثل الكهف ورفع كفه ، فإذا أذنب العبد الذنب انقبض ، وضم إصبعه ، فإذا أذب الذنب انقبض ، وضم أخرى ، حتى ضم أصابعه كلها ، حتى يطبع على قلبه . قال : وكانوا يرون أن ذلك هو الرين ، ثم قرأ : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " . ومثله عن حذيفة رضي الله عنه سواء . وقال بكر بن عبد الله : إن العبد إذا أذنب صار في قلبه كوخزة الإبرة ، ثم صار إذا أذنب ثانيا صار كذلك ، ثم إذا كثرت الذنوب صار القلب كالمنخل ، أو كالغربال ، حتى لا يعي خيرا ، ولا يثبت فيه صلاح . وقد بينا في " البقرة " {[15851]} القول في هذا المعنى بالأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا معنى لإعادتها . وقد روى عبد الغني بن سعيد عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ، وعن موسى عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس شيئا الله أعلم بصحته . قال : هو الران الذي يكون على الفخذين والساق والقدم ، وهو الذي يلبس في الحرب . قال : وقال آخرون : الران : الخاطر الذي يخطر بقلب الرجل . وهذا مما لا يضمن عهدة صحته . فالله أعلم . فأما عامة أهل التفسير فعلى ما قد مضى ذكره قبل هذا . وكذلك أهل اللغة عليه ، يقال : ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي غلب . قال أبو عبيدة في قوله : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " أي غلب ، وقال أبو عبيد : كل ما غلبك [ وعلاك ]{[15852]} فقد ران بك ، ورانك ، وران عليك ، وقال الشاعر :

وكم رَانَ من ذنب على قلب فاجر *** فتاب من الذنب الذي ران وانْجَلَى

ورانت الخمر على عقله : أي غلبته ، وران عليه النعاس : إذا غطاه ، ومنه قول عمر في الأسيفع - أسيفع جهينة - : فأصبح قد رين به{[15853]} . أي غلبته الديون ، وكان يدَّان ، ومنه قول أبي زبيد يصف رجلا شرب حتى غلبه الشراب سكرا ، فقال :

ثم لما رآه رَانَتْ بِهِ الخم*** رُ وأنْ لا تَرَيْنَهُ باتقاءِ{[15854]}

فقوله : رانت به الخمر ، أي غلبت على عقله وقلبه . وقال الأموي : قد أران القوم فهم مرينون : إذا هلكت مواشيهم وهزلت . وهذا من الأمر الذي أتاهم مما يغلبهم ، فلا يستطيعون احتماله . قال أبو زيد يقال : قد رين بالرجل رينا : إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ، ولا قبل له وقال أبو معاذ النحوي : الرين{[15855]} : أن يسود القلب من الذنوب ، والطبع أن يطبع على القلب ، وهذا أشد من الرين ، والإقفال أشد من الطبع . الزجاج : الرين : هو كالصدأ يغشي القلب كالغيم الرقيق ، ومثله الغين ، يقال : غين على قلبه : غطي . والغين : شجر ملتف ، الواحدة غيناء ، أي خضراء ، كثيرة الورق ، ملتفة الأغصان . وقد تقدم قول الفراء أنه إحاطة الذنب بالقلوب . وذكر الثعلبي عن ابن عباس : " ران على قلوبهم " : أي غطى عليها . وهذا هو الصحيح عنه إن شاء الله . وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر والمفضل " ران " بالإمالة ؛ لأن فاء الفعل الراء ، وعينه الألف منقلبة من ياء ، فحسنت الإمالة لذلك . ومن فتح فعلى الأصل ؛ لأن باب فاء الفعل في ( فعل ) الفتح ، مثل كال وباع ونحوه . واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ووقف حفص " بل " ثم يبتدئ " ران " وقفا يبين اللام ، لا للسكت .


[15851]:راجع جـ 1 ص 188 فما بعدها.
[15852]:[وعلاك]: زيادة من (اللسان: ران)، تتميما لكلام أبي عبيد.
[15853]:في النهاية لابن الأثير: أي أحاط الدين بماله.
[15854]:البيت في (اللسان: ران) منسوبا لأبي زبيد، يصف سكرانا غلبت عليه الخمر.
[15855]:الرين: هو الختم، أي الطبع على القلب كما في "اللسان" مادة "رين".