تفريع على قوله : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } [ التوبة : 108 ] لزيادة بيان أحقية المسجد المؤسَّس على التقوى بالصلاة فيه .
وبيان أن تفضيل ذلك المسجد في أنه حقيق بالصلاة فيه تفضيل مسلوب المشاركة لأن مسجد الضرار ليس حقيقاً بالصلاة فيه بعد النهي ، لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لو وقعت لأكسبت مَقصدَ وَاضعيه رواجاً بين الأمة وهو غرضهم التفريق بين جماعات المسلمين كما تقدم .
والفاء مؤخرة عن همزة الاستفهام لأحقية حرف الاستفهام بالتصدير . والاستفهام تقريري .
والتأسيس : بناءُ الأساس ، وهو قاعدة الجدار المبني من حجر وطين أو جص .
والبنيان في الأصل مصدر بوزن الغُفران والكفران ، اسم لإقامة البيت ووضعه سواء كان البيت من أثواب أم من أدم أم كان من حجر وطين فكل ذلك بناء . ويطلق البنيان على المبني من الحجر والطين خاصة . وهو هنا مطلق على المفعول ، أي المبني . وما صدق ( من ) صاحبُ البناء ومستحقه ، فإضافة البنيان إلى ضمير ( مَن ) إضافة على معنى اللام . وشُبه القصد الذي جعل البناء لأجله بأساس البناء ، فاستعير له فعل { أسس } في الموضعين .
ولما كان من شأن الأساس أن تطلب له صلابة الأرض لدوامه جعلت التقوى في القصد الذي بني له أحد المسجدين ، فشبهت التقوى بما يرتكز عليه الأساس على طريقة المكنية ، ورُمز إلى المشبه به المحذوف بشيء من ملائماته وهو حرف الاستعلاء . وفُهم أن هذا المشبه به شيء راسخ ثابت بطريق المقابلة في تشبيه الضد بما أسس على شفاً جُرُف هار ، وذلك بأن شبه المقصد الفاسد بالبناء بجرْف جُرف منهار في عدم ثبات ما يقام عليه من الأساس بله البناء على طريقة الاستعارة التصريحية . وحرف الاستعلاء ترشيح .
وفرع على هذه الاستعارة الأخيرة تمثيل حالة هدمه في الدنيا وإفضائه ببانيه إلى جهنم في الآخرة بانهيار البناء المُؤسس على شفَا جُرف هارَ بساكنه في هوّة . وجعل الانهيار به إلى نار جهنم إفضاء إلى الغاية من التشبيه . فالهيئة المشبهة مركبة من محسوس ومعقول وكذلك الهيئة المشبه بها . ومقصود أن البنيان الأول حصل منه غرض بانيه لأن غرض الباني دوام ما بناه . فهم لما بنوه لقصد التقوى ورضى الله تعالى ولم يُذكر ما يقتضي خيبتهم فيه كما ذُكر في مقابله عُلم أنهم قد اتقوا الله بذلك وأرضوه ففازوا بالجنة ، كما دلت عليه المقابلة ، وأن البنيان الثاني لم يَحصل غرضُ بانيه وهو الضرار والتفريق فخابوا فيما قصدوه فلم يثبت المقصد ، وكان عدم ثباته مفضياً بهم إلى النار كما يفضي البناء المنهار بساكنه إلى الهلاك .
والشَّفا بفتح الشين وبالقصر : حرف البئر وحرف الحفرة .
والجُرف بضمتين : جانب الوادي وجانب الهُوة .
وهارٍ : اسم مشتق من هَارَ البناءُ إذا تصدع ، فقيل : أصله هَوَر بفتحتين كما قالوا خَلَف في خالف . وليست الألف التي بعد الهاء ألف فاعل بل هي عين الكلمة منقلبة عن الواو لأن الواو متحركة وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً ، وقيل هو اسم فاعل من هار البناء وأصل وزنه هاور ، فوقع فيه قلب بين عينه ولامه تخفيفاً . وقد وقع ذلك في ألفاظ كثيرة من اللغة مثل قولهم : شاكي السلاح ، أصله شائِك . ورجل صاتٌ عالي الصوت أصله صائتٌ . ويدل لذلك قولهم : انهار ولم يقولوا انهرى . وهَرٍ مبالغةً في هَار .
وقرأ نافع وابن عامر وحدهما فعل { أسس } في الموضعين بصيغة البناء للمفعول ورفع { بنيانُه } في الموضعين . وقرأها الباقون بالبناء للفاعل ونصب { بنيانَه } في الموضعين .
وقرأ الجمهور { جُرُف } بضم الراء . وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم وخلفٌ بسكون الراء .
وجملة : { والله لا يهدي القوم الظالمين } تذييل ، وهو عام يشمل هؤلاء الظالمين الذين بنوا مسجد الضرار وغيرهم .
( أفمن أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان خير ? أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ? واللّه لا يهدي القوم الظالمين ) . .
فلنقف نتطلع لحظة إلى بناء التقوى الراسي الراسخ المطمئن . . ثم لنتطلع بعد إلى الجانب الآخر ! لنشهد الحركة السريعة العنيفة في بناء الضرار . . إنه قائم على شفا جرف هار . . قائم على حافة جرف منهار . . قائم على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار . . إننا نبصره اللحظة يتأرجح ويتزحلق وينزلق ! . . إنه ينهار ! إنه ينزلق ! إنه يهوي ! إن الهوة تلتهمه ! يا للهول ! إنها نار جهنم . . ( واللّه لا يهدي القوم الظالمين ) . . الكافرين المشركين . الذين بنوا هذه البنية ليكيدوا بها هذا الدين !
إنه مشهد عجيب ، حافل بالحركة المثيرة ترسمه وتحركه بضع كلمات ! . . ذلك ليطمئن دعاة الحق على مصير دعوتهم ، في مواجهة دعوات الكيد والكفر والنفاق ! وليطمئن البناة على أساس من التقوى كلما واجهوا البناة على الكيد والضرار !
الأولى - قوله تعالى : " أفمن أسس " أي أصل ، وهو استفهام معناه التقرير . و " من " بمعنى الذي ، وهي في موضع رفع بالابتداء ، وخبره " خير " . وقرأ نافع وابن عامر وجماعة " أسس بنيانه " على بناء أسس للمفعول ورفع بنيان فيهما . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وجماعة{[8300]} " أسس بنيانه " على بناء الفعل للفاعل ونصب بنيانه فيهما . وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به ، وأن الفاعل سمي فيه . وقرأ نصر بن عاصم بن علي " أفمن أسس " بالرفع " بنيانه " بالخفض . وعنه أيضا " أساس بنيانه " وعنه أيضا " أس بنيانه " بالخفض . والمراد أصول البناء كما تقدم . وحكى أبو حاتم قراءة سادسة وهي " أفمن أساس بنيانه " قال النحاس : وهذا جمع أس ، كما يقال : خف وأخفاف ، والكثير " إساس " مثل خفاف . قال الشاعر :
أصبح الملك ثابت الأساس*** في البهاليل من بني العباس{[8301]}
الثانية - قوله تعالى : " على تقوى من الله " قراءة عيسى بن عمر - فيما حكى سيبويه - بالتنوين ، والألف ألف إلحاق كألف تترى فيما نون ، وقال الشاعر{[8302]} :
يَسْتَنُّ فِي عَلْقًى وفِي مُكُورِ{[8303]}
وأنكر سيبويه التنوين ، وقال : لا أدري ما وجهه . " على شفا " الشفا : الحرف والحد ، وقد مضى في ( آل عمران{[8304]} ) مستوفى . و " جرف " قرئ برفع الراء ، وأبو بكر وحمزة بإسكانها ، مثل الشغل والشغل ، والرسل والرسل ، يعني جرفا ليس له أصل . والجرف : ما يتجرف بالسيول من الأودية ، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء ، وأصله من الجرف والاجتراف ، وهو اقتلاع الشيء من أصله . " هار " ساقط ، يقال . تهور البناء إذا سقط ، وأصله هائر ، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها ، فيقال : هار وهائر ، قاله الزجاج . ومثله لاث الشيء به إذا دار ، فهو لاث أي لائث . وكما قالوا : شاكي السلاح وشائك السلاح{[8305]} . قال العجاج :
الأشاء النخل ، والعبري السدر الذي على شاطئ الأنهار . ومعنى لاث به مطيف به . وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور ، ثم يقال هائر مثل صائم ، ثم يقلب فيقال هار . وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء ، وأنه يقال : تهور وتهير . قلت : ولهذا يمال ويفتح .
الثالثة - قوله تعالى : " فانهار به في نار جهنم " فاعل انهار الجرف ، كأنه قال : فانهار الجرف بالبنيان في النار ؛ لأن الجرف مذكر . ويجوز أن يكون الضمير في به يعود على " من " وهو الباني ، والتقدير : فانهار من أسس بنيانه على غير تقوى . وهذه الآية ضرب مثل لهم ، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق . وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها . والشفا : الشفير . وأشفى على كذا أي دنا منه .
الرابعة - في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه ، ويخبر عنه بقوله : " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام{[8306]} " [ الرحمن : 27 ] على أحد الوجهين . ويخبر عنه أيضا بقوله : " والباقيات الصالحات{[8307]} " [ الكهف : 46 ] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
الخامسة - واختلف العلماء في قوله تعالى : " فانهار به في نار جهنم " هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين : [ الأول ] أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أَرسل إليه فهُدم رئي الدخان يخرج منه ، من رواية سعيد بن جبير . وقال بعضهم : كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة . وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان . وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض ، ثم تلا " فانهار به في نار جهنم " . وقال جابر بن عبدالله : أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ والثاني ] أن ذلك مجاز ، والمعنى : صار البناء في نار جهنم ، فكأنه انهار إليه وهوى فيه ، وهذا كقوله تعالى : " فأمه هاوية{[8308]} " [ القارعة : 9 ] . والظاهر الأول ، إذ لا إحالة في ذلك . والله أعلم .