نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (109)

ولما علم من هذا بطريق الإشارة والتلويح أن التأسيس مثل ابتداء خلق الحيوان ، فمن جبل من {[37208]}أول مرة{[37209]} جبلة شر لا يصلح{[37210]} للخير أبداً ولا يقبله كما قال تعالى{ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون }{[37211]}[ الأنفال : 23 ] ذكره على سبيل التصريح فسبب عما مضى قوله ممثلاً الباطل ببناء على حرف واد واه جداً{[37212]} على شفير جهنم : { أفمن أسس بنيانه } أي كما أشرت إليه في المسجد المحثوث بالإقبال عليه { على تقوى من الله } أي الملك الأعلى { ورضوان } فكان{[37213]} كمن بنى بنيانه على جبل لا تهدمه الأمطار ولا تؤثر فيه السيول { خير أم من أسس بنيانه } على فسق وفجور وعدم اكتراث بالأمور فكان كمن بنى بنيانه { على شفا } أي حرف ، ومنه الشفة { جرف } أي مكان جفرة السيل وجرفه فصار مشرفاً على السقوط ، ولذلك قال : { هار } أي هائر ، من هار الجرف - إذا أشرف لتخريق السيول على السقوط { فانهار } أي فكان بناؤه لذلك سبباً لأنه سقط سقوطاً لا تماسك معه { به } أي وهو فيه آمناً من سقوطه بقلة عقله وسفاهة رأيه { في نار جهنم } فالجواب : لا شك الأول خير بل ، لا خير في الثاني أصلاً ، والعجب كل العجب من كونه بنى هذا البناء هكذا ، فأجيب بأنه لا عجب لأن الأمر بيد الله ، لا مفر من قضائه ، وهو قد هدى الأول إلى ما فيه صلاحه ، ولم يهد{[37214]} الثاني لما علم فيه من عدم قابلية الخير { والله } الذي له صفات الكمال { لا يهدي القوم } أي الذين لهم قوة المحاولة لما يريدون { الظالمين* } أي المطبوعين على ظلام البصائر ، فهم لا يكفرون في شيء إلا جاء في غير موضعه وعلى غير نظام كخطوات{[37215]} الماشي في الظلام ، وقد علم أن الآية من قبيل الاحتباك : أثبت أولاً التقوى لأن أهل الإسلام أحق بها ، فدلت على حذف{[37216]} ضدها ثانياً ، وأثبت ثانياً ضعف البناء حساً لأن مسجد الضرار أولى به ، فدل على حذف ضده أولاً ، فذكر النهاية المعقولة لأهلها والبداية المحسوسة للناظرين لها ؛ وروي عن جابر رضي الله عنه قال : رأيت الدخان من مسجد الضرار ؛ وحكي عن خلف بن يسار{[37217]} أنه رأى فيه حجراً يخرج منه الدخان في أول دولة بني العباس .


[37208]:من ظ، وفي الأصل: أمره ـ كذا.
[37209]:من ظ، وفي الأصل: أمره ـ كذا.
[37210]:زيد بعده في ظ: إلا.
[37211]:سورة 8 آية 23.
[37212]:سقط من ظ.
[37213]:في ظ: فمن.
[37214]:في الأصل وظ: لم يهدي.
[37215]:من ظ، وفي الأصل: لخطوات.
[37216]:زيد بعده في الأصل: مضاف، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[37217]:في تفسير الطبري: ياسين ـ راجع آية 109 فيه.