فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (109)

ثم بين سبحانه أن بين الفريقين بونا بعيدا فقال { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار } الهمزة للإنكار والجملة مستأنفة مبينة لخيرة الرجال المذكورين على أهل مسجد الضرار ، والفاء عاطفة على مقدر أي أبعد ما علم حالهم فمن أسس ، والبنيان مصدر كالعمران وأريد به المبنى .

والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه خير ممن أسس دينه على ضد ذلك وهو الباطل والنفاق ، قيل أنه استعارة مكنية شبهت التقوى والرضوان بما يعتمد عليه البناء تشبيها مضمرا في النفس ، وأسس بنيانه تخييل فهو مستعمل في معناه الحقيقي أو مجاز فتأسيس البنيان بمعنى إحكام أمور دينية أو تمثيل لحال من أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى شيئا محكما مؤسسا يستوطنه ويتحصن فيه أو البنيان استعارة أصلية والتأسيس ترشيح والشفا الشفير ، وشفا كل شيء حرفه وطرفه .

ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه وقرب أن يقع فيه ، والجرف بضم الراء وسكونها قراءتان سبعيتان ، وعلى كل فالجيم مضمومة وهو ما يتجرف بالسيول وهي الجوانب التي تنحفر بالماء وقيل المكان الذي أكل الماء تحته فهو إلى السقوط قريب ، وقيل البئر التي لم تطو ، وقيل هو الهوة ، والاجتراف اقتلاع الشيء من أصله ، والهار الساقط يقال هار البناء إذا سقط وأصله هائر كما قالوا شاك السلاح وشائك ، كذا قال الزجاج : يقال هار يهور ويهار وهار يهير وتهور البناء وتهير فهو مقلوب بتقديم لامه على عينه ، وقيل حذفت عينه اعتباطا أي لغير موجب .

وقال أبو حاتم : إن أصله هاور أي ساقط متداع منها ، قال في شمس العلوم : الجرف ما جرف السيل أصله وأشرف أعلاه فإن انصدع أعلاه فهو الهار انتهى وقيل لا قلب فيه ولا حذف وأن أصله هور أو هير قال السمين وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادعاء القلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل لولا أنه غير مشهور عند أهل التصريف انتهى .

جعل الله سبحانه هذا مثلا لما بنوا عليه دينهم الباطل المضمحل بسرعة ثم قال { فانهار } الجرف أو الشفا أو بنيان الباني على شفا جرف هار { به } أي بالبنيان أو المعنى أنه طاح الباطل بالبناء والباني { في نار جهنم } قال ابن عباس : صيرهم نفاقهم إلى النار ، روى أنهم رأوا الدخان حين حفروا أساسه ، قال قتادة : والله ما تناهى بناؤهم حتى وقع في النار .

والباء في به للتعدية أو المصاحبة أي فانهار مصاحبا له وجاء بالانهيار الذي هو للجرف ترجيحا للمجاز ، وسبحان الله ما أبلغ هذا الكلام وأقوى تراكيبه وأوقع معناه وأفصح مبناه ، عن جابر بن عبد الله قال : لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أخرجه الحاكم ومسدد وابن جرير وغيرهم .

{ والله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم