الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (109)

فيه خمس مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " أفمن أسس " أي أصل ، وهو استفهام معناه التقرير . و " من " بمعنى الذي ، وهي في موضع رفع بالابتداء ، وخبره " خير " . وقرأ نافع وابن عامر وجماعة " أسس بنيانه " على بناء أسس للمفعول ورفع بنيان فيهما . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وجماعة{[8300]} " أسس بنيانه " على بناء الفعل للفاعل ونصب بنيانه فيهما . وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به ، وأن الفاعل سمي فيه . وقرأ نصر بن عاصم بن علي " أفمن أسس " بالرفع " بنيانه " بالخفض . وعنه أيضا " أساس بنيانه " وعنه أيضا " أس بنيانه " بالخفض . والمراد أصول البناء كما تقدم . وحكى أبو حاتم قراءة سادسة وهي " أفمن أساس بنيانه " قال النحاس : وهذا جمع أس ، كما يقال : خف وأخفاف ، والكثير " إساس " مثل خفاف . قال الشاعر :

أصبح الملك ثابت الأساس*** في البهاليل من بني العباس{[8301]}

الثانية - قوله تعالى : " على تقوى من الله " قراءة عيسى بن عمر - فيما حكى سيبويه - بالتنوين ، والألف ألف إلحاق كألف تترى فيما نون ، وقال الشاعر{[8302]} :

يَسْتَنُّ فِي عَلْقًى وفِي مُكُورِ{[8303]}

وأنكر سيبويه التنوين ، وقال : لا أدري ما وجهه . " على شفا " الشفا : الحرف والحد ، وقد مضى في ( آل عمران{[8304]} ) مستوفى . و " جرف " قرئ برفع الراء ، وأبو بكر وحمزة بإسكانها ، مثل الشغل والشغل ، والرسل والرسل ، يعني جرفا ليس له أصل . والجرف : ما يتجرف بالسيول من الأودية ، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء ، وأصله من الجرف والاجتراف ، وهو اقتلاع الشيء من أصله . " هار " ساقط ، يقال . تهور البناء إذا سقط ، وأصله هائر ، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها ، فيقال : هار وهائر ، قاله الزجاج . ومثله لاث الشيء به إذا دار ، فهو لاث أي لائث . وكما قالوا : شاكي السلاح وشائك السلاح{[8305]} . قال العجاج :

لاث به الأشاء والعُبري

الأشاء النخل ، والعبري السدر الذي على شاطئ الأنهار . ومعنى لاث به مطيف به . وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور ، ثم يقال هائر مثل صائم ، ثم يقلب فيقال هار . وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء ، وأنه يقال : تهور وتهير . قلت : ولهذا يمال ويفتح .

الثالثة - قوله تعالى : " فانهار به في نار جهنم " فاعل انهار الجرف ، كأنه قال : فانهار الجرف بالبنيان في النار ؛ لأن الجرف مذكر . ويجوز أن يكون الضمير في به يعود على " من " وهو الباني ، والتقدير : فانهار من أسس بنيانه على غير تقوى . وهذه الآية ضرب مثل لهم ، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق . وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها . والشفا : الشفير . وأشفى على كذا أي دنا منه .

الرابعة - في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه ، ويخبر عنه بقوله : " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام{[8306]} " [ الرحمن : 27 ] على أحد الوجهين . ويخبر عنه أيضا بقوله : " والباقيات الصالحات{[8307]} " [ الكهف : 46 ] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

الخامسة - واختلف العلماء في قوله تعالى : " فانهار به في نار جهنم " هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين : [ الأول ] أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أَرسل إليه فهُدم رئي الدخان يخرج منه ، من رواية سعيد بن جبير . وقال بعضهم : كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة . وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان . وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض ، ثم تلا " فانهار به في نار جهنم " . وقال جابر بن عبدالله : أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ والثاني ] أن ذلك مجاز ، والمعنى : صار البناء في نار جهنم ، فكأنه انهار إليه وهوى فيه ، وهذا كقوله تعالى : " فأمه هاوية{[8308]} " [ القارعة : 9 ] . والظاهر الأول ، إذ لا إحالة في ذلك . والله أعلم .


[8300]:من ج و ع و ك و هـ.
[8301]:راجع هذا البيت وشرحه في الأغاني ج 4 ص 44 طبع دار الكتب في ع: باالهاليل.
[8302]:هو العجاج.
[8303]:وصف ثورا في ضروب من الشجر والعلق والمكور: ضربان من الشجر ومعنى يستن: يرتعي، وسنّ الماشية رعيها (عن شرح الشواهد).
[8304]:راجع ج 4 ص 164.
[8305]:من ج و هـ.
[8306]:راجع ج 17 ص 164 فما بعد.
[8307]:راجع ج 10 ص 413.
[8308]:راجع ج 20 ص 166.