تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة السجدة وهي مكية

{ 1 - 3 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ }

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

1- سورة " السجدة " هي السورة الثانية والثلاثون في ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد سورة " المؤمنون " ، أي : أنها من أواخر السور المكية .

قال الآلوسي ما ملخصه : وتسمى –أيضاً- بسورة " المضاجع " . وهي مكية ، كما روي عن ابن عباس .

وروي عنه أنها مكية سوى ثلاث آيات ، تبدأ بقوله –تعالى- : [ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً . . . ] وهي تسع وعشرون آية في البصري . وثلاثون آية في المصاحف الباقية . . . " ( {[1]} ) .

ومن فضائل هذه السورة ما رواه الشيخان عن أبي هريرة قال : كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الفجر يوم الجمعة [ الم . تنزيل . . . ] السجدة . و[ هل أتى على الإنسان . . . ] .

وروى الإمام أحمد عن جابر قال : " كان النبي –صلى الله عليه وسلم- لا ينام حتى يقرأ هذه السورة ، وسورة تبارك " ( {[2]} ) .

2- وتبدأ هذه السورة الكريمة ، بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان أنه من عند الله –تعالى- ، وبالرد على الذين زعموا أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قد افتراه من عند نفسه . . .

ثم تسوق ألواناً من نعم الله –تعالى- على عباده ، ومن مظاهر قدرته ، وبديع خلقه ، وشمول إرادته ، وإحسانه لكل شيء خلقه [ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم . الذي أحسن كل شيء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين ] .

3- ثم تذكر السورة الكريمة بعد ذلك جانباً من شبهات المشركين حول البعث والحساب ، وترد عليها بما يبطلها ، وتصور أحوالهم عندما يقفون أمام خالقهم للحساب تصويراً مؤثراً مرعباً قال –تعالى- : [ ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ، ربنا أبصرنا وسمعنا ، فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون ] .

4- وبعد أن تذكر السورة الكريمة ما أعده الله –تعالى- للمؤمنين من ثواب لا تعلمه نفس من الأنفس ، وما أعده للكافرين من عقاب . . بعد كل ذلك تبين أن عدالته –تعالى- قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والأشرار وإنما يجازى كل إنسان على حسب عمله .

قال –تعالى- : [ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً ، لا يستوون ] .

5- ثم تشير السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه الله –تعالى- لنبيه موسى –عليه السلام- من نعم ، وما منحه للصالحين من قومه من منن ، لكي يتأسى بهم المؤمنون [ ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه ، وجعلناه هدى لنبي إسرائيل . وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ، وكانوا بآياتنا يوقنون ] .

6- ثم حضت السورة الكريمة المشركين على التدبر والتفكر في آيات الله –تعالى- ، ونهتهم عن الجحود والعناد ، وحكت جانباً من سفاهاتهم ، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم ، وأن يمضي في طريقه دون أن يعبر سفاهاتهم اهتماماً .

قال –تعالى- : [ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين . قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون . فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ] .

7- وبعد فهذا عرض إجمالي لسورة " السجدة " ومنه نرى أنها زاخرة بالأدلة على وحدانية الله –تعالى- وقدرته ، وعلى أن القرآن حق ، والبعث حق ، والحساب حق ، والجزاء حق . .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

كتبه الراجي عفو ربه

د . محمد سيد طنطاوي

سورة السجدة من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى لك بشئ من التفصيل عند تفسيرنا لسورة : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف . .

وقلنا : ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن .

فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك الكافرين المعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفاً من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ومنظوماً من حروف ، وهى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .

فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو سورة من مثله . .

ومع كل هذا التساهل فى التحدى . فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت بذلك أن القرآن من عند الله - تعالى - وحده .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.
 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة السجدة مكية وآياتها ثلاثون

هذه السورة المكية نموذج آخر من نماذج الخطاب القرآني للقلب البشري بالعقيدة الضخمة التي جاء القرآن ليوقظها في الفطر ، ويركزها في القلوب : عقيدة الدينونة لله الأحد الفرد الصمد ، خالق الكون والناس ، ومدبر السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من خلائق لا يعلمها إلا الله . والتصديق برسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] الموحى إليه بهذا القرآن لهداية البشر إلى الله . والاعتقاد بالبعث والقيامة والحساب والجزاء .

هذه هي القضية التي تعالجها السورة ؛ وهي القضية التي تعالجها سائر السور المكية . كل منها تعالجها بأسلوب خاص ، ومؤثرات خاصة ؛ تلتقي كلها في أنها تخاطب القلب البشري خطاب العليم الخبير ، المطلع على أسرار هذه القلوب وخفاياها ، ومنحنياتها ودروبها ، العارف بطبيعتها وتكوينها ، وما يستكن فيها من مشاعر ، وما يعتريها من تأثرات واستجابات في جميع الأحوال والظروف .

وسورة السجدة تعالج تلك القضية بأسلوب وبطريقة غير أسلوب وطريقة سورة لقمان السابقة . فهي تعرضها في آياتها الأولى ؛ ثم تمضي بقيتها تقدم مؤثرات موقظة للقلب ، منيرة للروح ، مثيرة للتأمل والتدبر ؛ كما تقدم أدلة وبراهين على تلك القضية معروضة في صفحة الكون ومشاهده ؛ وفي نشأة الإنسان وأطواره ؛ وفي مشاهد من اليوم الآخر حافلة بالحياة والحركة ؛ وفي مصارع الغابرين وآثارهم الناطقة بالعبرة لمن يسمع لها ويتدبر منطقها !

كذلك ترسم السورة صورا للنفوس المؤمنة في خشوعها وتطلعها إلى ربها . وللنفوس الجاحدة في عنادها ولجاجها ؛ وتعرض صورا للجزاء الذي يتلقاه هؤلاء وهؤلاء ، وكأنها واقع مشهود حاضر للعيان ، يشهده كل قارئ لهذا القرآن .

وفي كل هذه المعارض والمشاهد تواجه القلب البشري بما يوقظه ويحركه ويقوده إلى التأمل والتدبر مرة ، وإلى الخوف والخشية مرة ، وإلى التطلع والرجاء مرة . وتطالعه تارة بالتحذير والتهديد ، وتارة بالإطماع ، وتارة بالإقناع . . ثم تدعه في النهاية تحت هذه المؤثرات وأمام تلك البراهين . تدعه لنفسه يختار طريقه ، وينتظر مصيره على علم وعلى هدى وعلى نور .

ويمضي سياق السورة في عرض تلك القضية في أربعة مقاطع أو خمسة متلاحقة متصلة : يبدأ بالأحرف المقطعة ( ألف . لام . ميم )منبها بها إلى تنزيل الكتاب من جنس هذه الأحرف . ونفي الريب عن تنزيله والوحي به : ( من رب العالمين ) . . ويسأل سؤال استنكار عما إذا كانوا يقولون : افتراه . ويؤكد أنه الحق من ربه لينذر قومه ( لعلهم يهتدون ) . .

وهذه هي القضية الأولى من قضايا العقيدة : قضية الوحي وصدق الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] في التبليغ عن رب العالمين .

ثم يعرض قضية الألوهية وصفتها في صفحة الوجود : في خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وفي الهيمنة على الكون وتدبير الأمر في السماوات والأرض ، ورفع الأمر إليه في اليوم الآخر . . ثم في نشأة الإنسان وأطواره وما وهبه الله من السمع والبصر والإدراك . والناس بعد ذلك قليلا ما يشكرون .

وهذه هي القضية الثانية : قضية الألوهية وصفتها : صفة الخلق ، وصفة التدبير ، وصفة الإحسان ، وصفة الإنعام ، وصفة العلم . وصفة الرحمة . وكلها مذكورة في سياق آيات الخلق والتكوين .

ثم يعرض قضية البعث ، وشكهم فيه بعد تفرق ذراتهم في التراب : وقالوا : أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد ? ويرد على هذا الشك بصيغة الجزم واليقين .

وهذه هي القضية الثالثة : قضية البعث والمصير .

ومن ثم يعرض مشهدا من مشاهد القيامة : إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم يعلنون يقينهم بالآخرة ويقينهم بالحق الذي جاءتهم به الدعوة . ويقولون الكلمة التي لو قالوها في الدنيا لفتحت لهم أبواب الجنة ؛ ولكنها في موقفهم ذاك لا تجدي شيئا ولا تفيد . لعل هذا المشهد أن يوقظهم - قبل فوات الأوان - لقول الكلمة التي سيقولونها في الموقف العصيب . فيقولوها الآن في وقتها المطلوب .

وإلى جوار هذا المشهد البائس المكروب يعرض مشهد المؤمنين في هذه الأرض : إذا ذكروا بآيات ربهم . . ( خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون . تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ) . . وهي صورة موحية شفيفة ترف حولها القلوب . يعرض إلى جوارها ما أعده الله لهذه النفوس الخاشعة الخائفة الطامعة من نعيم يعلو على تصور البشر الفانين : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) . . ويعقب عليه بمشهد سريع لمصائر المؤمنين والفاسقين في جنة المأوى وفي نار الجحيم وبتهديد المجرمين بالانتقام منهم في الأرض أيضا قبل أن يلاقوا مصيرهم الأليم .

ثم ترد إشارة إلى موسى - عليه السلام - ووحدة رسالته ورسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] والمهتدين من قومه ، وصبرهم على الدعوة ، وجزائهم على هذا الصبر بأن جعلهم الله أئمة . وفي هذه الإشارة إيحاء بالصبر على ما يلقاه الدعاة إلى الإسلام من كيد ومن تكذيب .

وتعقب هذه الإشارة جولة في مصارع الغابرين من القرون ، وهم يمشون في مساكنهم غافلين . . ثم جولة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء بالحياة والنماء ؛ فيتقابل مشهد البلى ومشهد الحياة في سطور .

وتختم السورة بحكاية قولهم : ( متى هذا الفتح ? )وهم يتساءلون في شك عن يوم الفتح الذي يتحقق فيه الوعيد . والجواب بالتخويف من هذا اليوم والتهديد . وتوجيه الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ليعرض عنهم ويدعهم لمصيرهم المحتوم .

والآن نأخذ في عرض السورة بالتفصيل :

ألم . تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين . أم يقولون : افتراه ? بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون . .

ألف . لام . ميم . . هذه الأحرف التي يعرفها العرب المخاطبون بهذا الكتاب ؛ ويعرفون ما يملكون أن يصوغوا منها ومن نظائرها من كلام ، ويدركون الفارق الهائل بين ما يملكون أن يصوغوه منها وبين هذا القرآن ؛ وهو فارق يدركه كل خبير بالقول ، وكل من يمارس التعبير باللفظ عن المعاني والأفكار . كما يدرك أن في النصوص القرآنية قوة خفية ، وعنصرا مستكنا ، يجعل لها سلطانا وإيقاعا في القلب والحس ليسا لسائر القول المؤلف من أحرف اللغة ، مما يقوله البشر في جميع الأعصار . وهي ظاهرة ملحوظة لا سبيل إلى الجدال فيها ، لأن السامع يدركها ، ويميزها ، ويهتز لها ، من بين سائر القول ، ولو لم يعلم سلفا أن هذا قرآن ! والتجارب الكثيرة تؤكد هذه الظاهرة في شتى أوساط الناس .

والفارق بين القرآن وما يصوغه البشر من هذه الحروف من كلام ، هو كالفارق بين صنعة الله وصنعة البشر في سائر الأشياء . صنعة الله واضحة مميزة ، لا تبلغ إليها صنعة البشر في أصغر الأشياء . وإن توزيع الألوان في زهرة واحدة ليبدو معجزة لأمهر الرسامين في جميع العصور . . وكذلك صنع الله في القرآن وصنع البشر فيما يصوغون من هذه الحروف من كلام !

ألف . لام . ميم ، تنزيل الكتاب - لا ريب فيه - من رب العالمين . . قضية مقطوع بها ، لا سبيل إلى الشك فيها . قضية تنزيل الكتاب من رب العالمين . . ويعجل السياق بنفي الريب في منتصف الآية ، بين المبتدأ فيها والخبر ، لأن هذا هو صلب القضية ، والنقطة المقصودة في النص . والتمهيد لها بذكر هذه الأحرف المقطعة يضع المرتابين الشاكين وجها لوجه أمام واقع الأمر ، الذي لا سبيل إلى الجدل فيه . فهذا الكتاب مصوغ من جنس هذه الأحرف التي يعرفون ؛ ونمطه هو هذا النمط المعجز الذي لا يمارون في إعجازه ، أمام التجربة الواقعة ، وأمام موازين القول التي يقر بها الجميع .

إن كل آية وكل سورة تنبض بالعنصر المستكن العجيب المعجز في هذا القرآن ؛ وتشي بالقوة الخفية المودعة في هذا الكلام . وإن الكيان الإنساني ليهتز ويرتجف ويتزايل ولا يملك التماسك أمام هذا القرآن ، كلما تفتح القلب ، وصفا الحس ، وارتفع الإدراك ، وارتفعت حساسية التلقي والاستجابة . وإن هذه الظاهرة لتزداد وضوحا كلما اتسعت ثقافة الإنسان ، ومعرفته بهذا الكون وما فيه ومن فيه . فليست هي مجرد وهلة تأثيرية وجدانية غامضة . فهي متحققة حين يخاطب القرآن الفطرة خطابا مباشرا . وهي متحققة كذلك حين يخاطب القلب المجرب ، والعقل المثقف ، والذهن الحافل بالعلم والمعلومات . وإن نصوصه ليتسع مدى مدلولاتها ومفهوماتها وإيقاعاتها على السواء كلما ارتفعت درجة العلم والثقافة والمعرفة ، ما دامت الفطرة مستقيمة لم تنحرف ولم تطمس عليها الأهواء مما يجزم بأن هذا القرآن صنعة غير بشرية على وجه اليقين ، وأنه تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين .

 
تفسير القرآن العظيم لابن كثير - ابن كثير [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة السجدة{[1]}

وهي مكية .

قال البخاري في " كتاب الجمعة " : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج ، {[2]} عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان النبي{[3]} صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة : { الم * تَنزيلُ } السجدة ، و{ هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ } .

ورواه مسلم أيضًا من حديث سفيان الثوري ، به . {[4]}

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا الحسن بن صالح ، عن لَيْث ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ { الم * تَنزيلُ } السجدة و{ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ } تفرد به أحمد . {[5]}

قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة " البقرة " بما أغنى عن إعادته .


[1]:زيادة من أ.
[2]:ورواه ابن مردويه وأبو الشيخ كما في الدر (3/270).
[3]:في د: "وأديت".
[4]:في د: "إنهم قالوا".
[5]:في د: "تكفروهما".
 
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري - الطبري [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

بسم الله الرحمَن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : { الَمَ * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رّبّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقّ مِن رّبّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مّآ أَتَاهُم مّن نّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ لَعَلّهُمْ يَهْتَدُونَ } .

قال أبو حعفر : قد مضى البيان عن تأويل قوله الم بما فيه الكفاية . وقوله : تَنزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ يقول تعالى ذكره : تنزيل الكتاب الذي نزّل على محمد صلى الله عليه وسلم ، لا شكّ فيه من ربّ العالمين : يقول : من ربّ الثقلين : الجنّ ، والإنس . كما :

حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : الم تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ لا شكّ فيه . وإنما معنى الكلام : أن هذا القرآن الذي أُنزل على محمد لا شكّ فيه أنه من عند الله ، وليس بشعر ولا سجع كاهن ، ولا هو مما تخرّصه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما كذّب جلّ ثناؤه بذلك قول الذين قالُوا أساطِيرُ الأوّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلاً وقول الذين قالوا : إنْ هَذَا إلاّ إفْكٌ افْتَرَاهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ .

 
التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

أشهر أسماء هذه السورة هو{ سورة السجدة } ، وهو أخصر أسمائها ، وهو المكتوب في السطر المجعول لاسم السورة من المصاحف المتداولة . وبهذا الاسم ترجم لها الترمذي في جامعه وذلك بإضافة كلمة { سورة } إلى كلمة { السجدة } . ولا بد من تقدير كلمة { ألم } محذوفة للاختصار إذ لا يكفي مجرد إضافة سورة إلى السجدة في تعريف هذه السورة ، فإنه لا تكون سجدة من سجود القرآن إلا في سورة من السور .

وتسمى أيضا { ألم تنزيل } ؛ روى الترمذي عن جابر بن عبد الله إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ { ألم تنزيل } و{ تبارك الذي بيده الملك } .

وتسمى { ألم تنزيل السجدة } . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ يوم الجمعة في صلاة الفجر { ألم تنزيل السجدة } و{ هل أتى على الإنسان } . قال شارحو صحيح البخاري ضبط اللام من كلمة { تنزيل } بضمة على الحكاية ، وأما لفظ { السجدة } في هذا الحديث فقال ابن حجر هو بالنصب : وقال العيني والقسطلاني بالنصب على أنه عطف بيان يعني أنه بيان للفظ { ألم تنزيل } ، وهذا بعيد لأن لفظ السجدة ليس اسما لهذه السورة إلا بإضافة { سورة } إلى { السجدة } ، فالوجه أن يكون لفظ { السجدة } في كلام أبي هريرة مجرورا بإضافة مجموع { ألم تنزيل } إلى لفظ { السجدة } ، وسأبين كيفية هذه الإضافة .

وعنونها البخاري في صحيحه { سورة تنزيل السجدة } . ويجب أن يكون { تنزيل } مضمونا على حكاية لفظ القرآن ، فتميزت هذه السورة بوقوع سجدة تلاوة فيها من بين السور المفتتحة ب{ ألم } ، فلذلك فمن سماها { سورة السجدة } عنى تقدير مضاف أي سورة { ألم السجدة } .

ومن سماها { تنزيل السجدة } فهو على تقدير { ألم تنزيل السجدة } بجعل { ألم تنزيل } اسما مركبا ثم أضافته إلى السجدة ، أي ذات السجدة ، لزيادة التمييز والإيضاح ، وإلا فإن ذكر كلمة { تنزيل } كاف في تمييزها عما عداها من ذوات { ألم } ثم اختصر بحذف { ألم } وإبقاء { تنزيل } ، واضيف { تنزيل } إلى { السجدة } على ما سيأتي في توجيه تسميتها { ألم تنزيل السجدة } .

ومن سماها { إلم السجدة } فهو على إضافة { ألم } إلى { السجدة } إضافة على معنى اللام وجعل { ألم } اسما للسورة .

ومن سموها { ألم تنزيل السجدة } لم يتعرضوا لضبطها في شروح صحيح البخاري ولا في النسخ الصحيحة من الجامع الصحيح ، ويتعين أن يكون { ألم } مضافا إلى { تنزيل } على أن مجموع المضاف والمضاف إليه اسم لهذه السورة محكي لفظه ؛ فتكون كلمة { تنزيل } مضمونه على حكاية لفظها القرآني ، وأن يعتبر هذا المركب الإضافي اعتبار العلم مثل : عبد الله ، ويعتبر مجموع ذلك المركب الإضافي مضافا إلى السجدة إضافة المفردات ، وهو استعمال موجود ، ومنه قول تأبط شرا :

إني لمهد من ثنـائي فـقـاصـد *** به لبن عم الصدق شمس بن مالك

إذ أضاف مجموع ابن عم إلى الصدق ، ولم يرد إضافة عم إلى الصدق . وكذلك قول أحد الطائيين في ديوان الحماسة :

داو ابن السوء بالنأي والغنـى *** كفى بالغنى والنأي عنه مداويا

فإنه ما أراد وصف عمه بالسوء ولكنه أراد وصف ابن عمه بالسوء . فأضاف مجموع ابن عم إلى السوء ، ومثله قول رجل من كلب في ديوان الحماسة :

هنيئا لابن عم السوء أني *** مجاورة بني ثعل لبوني

وقال عيينة بن مرداس في الحماسة :

فلما عرفت اليأس منه وقد بدت *** أيادي سبا الحاجات للمتذكـر

فأضاف مجموع أيادي سبا وهو كالمفرد لأنه جرى مجرى المثل إلى الحاجات .

وقال بعض رجازهم :

أنا ابن عم الليل وابن خاله *** إذا دجى دخلت في سرباله

فأضاف ( ابن عم ) إلى لفظ ( الليل ) ، وأضاف ( ابن خال ) إلى ضمير ( الليل ) على معنى أنا مخالط الليل ، ولا يريد إضافة عم ولا خال إلى الليل .

ومن هذا اسم عبد الله بن قيس الرقيات ، فالمضاف إلى الرقيات هو مجموع المركب إما عبد الله ، أو ابن قيس لا أحد مفرداته .

وهذه الإضافة قريبة من إضافة العدد المركب إلى من يضاف إليه مع بقاء اسم العدد على بنائه كما تقول : أعطه خمسة عشره .

وتسمى هذه السورة أيضا { سورة المضاجع } لوقوع لفظ { المضاجع } في قوله تعالى : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } .

وفي تفسير القرطبي عن مسند الدرامي أن خالد بن معدان{[1]} سماها { المنجية } . قال : بلغني أن رجلا يقرؤها ما يقرأ شيئا غيرها ، وكان كثير الخطايا فنشرت جناحها وقالت : رب اغفر له فإنه كان يكثر من قراءتي فشفعها الرب فيه وقال : اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة اهـ .

وقال الطبرسي : تسمى { سورة سجدة لقمان } لوقوعها بعد سورة لقمان لئلا تلتبس بسورة { حم السجدة } ، أي كما سموا سورة { حم السجدة } وهي سورة فصلت { سورة سجدة المؤمن } لوقوعها بعد { سورة المؤمنين } .

وهي مكية في إطلاق أكثر المفسرين وإحدى روايتين عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه استثناء ثلاث آيات مدنية وهي { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } إلى { لعلهم يرجعون } . قيل نزلت يوم بدر في علي بن أبي طالب والوليد ابن عقبة وسيأتي إبطاله . وزاد بعضهم آيتين { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } إلى { بما كانوا يعملون } لما روي في سبب نزولها وهو ضعيف .

والذي نعول عليه أن السورة كلها مكية وأن ما خالف ذلك إن هو إلا تأويل أو إلحاق خاص بعام كما أصلنا في المقدمة الخامسة .

نزلت بعد سورة النحل وقبل سورة نوح ، وقد عدت الثالثة والسبعين في النزول .

وعدت آياتها عند جمهور العادين ثلاثين ، وعدها البصريون سبعا وعشرين .

من أغراض هذه السورة

أولها التنويه بالقرآن أنه منزل من عند الله ، وتوبيخ المشركين على ادعائهم أنه مفترى بأنهم لم يسبق لهم التشرف بنزول كتاب .

والاستدلال على إبطال إلهية أصنامهم بإثبات انفراد الله بأنه خالق السماوات والأرض ومدبر أمورهما .

وذكر البعث والاستدلال على كيفية بدء خلق الإنسان ونسله ، وتنظيره بإحياء الأرض ، وأدمج في ذلك أن إحياء الأرض نعمة عليهم كفروا بمسديها .

والإنحاء على الذين أنكروه ووعيدهم .

والثناء على المصدقين بآيات الله ووعدهم ، ومقابلة إيمانهم بكفر المشركين ، ثم إثبات رسالة رسول عظيم قبل محمد صلى الله عليه وسلم هدى به أمة عظيمة .

والتذمير بما حل بالمكذبين السابقين ليكون ذلك عظة للحاضرين ، وتهديدهم بالنصر الحاصل للمؤمنين .

وختم ذلك بانتظار النصر .

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه تحقيرا لهم ، ووعده بانتظار نصره عليهم .

ومن مزايا هذه السورة وفضائلها ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد والدرامي عن جابر بن عبد الله قال كان النبي لا ينام حتى يقرأ { ألم تنزيل السجدة } و{ تبارك الذي بيده الملك } .

تقدم ما في نظائره .


[1]:محمد بن علي البصري الشافعي المعتزلي المتوفى سنة 439هـ له كتاب "المعتمد في أصول الفقه".
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

سورة السجدة مكية إلا آية واحدة نزلت بالمدينة في الأنصار وهي قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم} [آية: 16].

وقال غير مقاتل: فيها ثلاث آيات مدنيات، وهي قوله تعالى: {أفمن كان مؤمنا} إلى قوله تعالى: {يكذبون} [آية: 16، 17، 18].

زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :

وتسمى سورة المضاجع.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

قال البخاري في "كتاب الجمعة ": حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة: {الم * تَنزيلُ} السجدة، و {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ}، ورواه مسلم أيضًا من حديث سفيان الثوري به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا الحسن بن صالح، عن لَيْث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ {الم * تَنزيلُ} السجدة و {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} تفرد به أحمد. 24

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

مقصودها:

إنذار الكفار بهذا الكتاب السار للأبرار بدخول الجنة والنجاة من النار، واسمها السجدة منطبق على ذلك بما دعت إليه آياتها من الإخبات وترك الاستكبار، وكذا تسميتها ب"الم تنزيل" فإنه مشير إلى تأمل جميع السورة، فهو في غاية الوضوح في هذا المقصود.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

سورة السجدة سميت بها، لأن آية السجدة منها، تدل على أن آيات القرآن من العظمة بحيث تخر وجوه الكل لسماع مواعظها، وتنزه منزلها عن أن يعارض في كلامه، وبشكره على كمال هدايته، وهذا أعظم مقاصد القرآن، أفاده المهايمي.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه السورة المكية نموذج آخر من نماذج الخطاب القرآني للقلب البشري بالعقيدة الضخمة التي جاء القرآن ليوقظها في الفطر، ويركزها في القلوب: عقيدة الدينونة لله الأحد الفرد الصمد، خالق الكون والناس، ومدبر السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من خلائق لا يعلمها إلا الله. والتصديق برسالة محمد [صلى الله عليه وسلم] الموحى إليه بهذا القرآن لهداية البشر إلى الله. والاعتقاد بالبعث والقيامة والحساب والجزاء.

هذه هي القضية التي تعالجها السورة؛ وهي القضية التي تعالجها سائر السور المكية. كل منها تعالجها بأسلوب خاص، ومؤثرات خاصة؛ تلتقي كلها في أنها تخاطب القلب البشري خطاب العليم الخبير، المطلع على أسرار هذه القلوب وخفاياها، ومنحنياتها ودروبها، العارف بطبيعتها وتكوينها، وما يستكن فيها من مشاعر، وما يعتريها من تأثرات واستجابات في جميع الأحوال والظروف.

وسورة السجدة تعالج تلك القضية بأسلوب وبطريقة غير أسلوب وطريقة سورة لقمان السابقة. فهي تعرضها في آياتها الأولى؛ ثم تمضي بقيتها تقدم مؤثرات موقظة للقلب، منيرة للروح، مثيرة للتأمل والتدبر؛ كما تقدم أدلة وبراهين على تلك القضية معروضة في صفحة الكون ومشاهده؛ وفي نشأة الإنسان وأطواره؛ وفي مشاهد من اليوم الآخر حافلة بالحياة والحركة؛ وفي مصارع الغابرين وآثارهم الناطقة بالعبرة لمن يسمع لها ويتدبر منطقها!

كذلك ترسم السورة صورا للنفوس المؤمنة في خشوعها وتطلعها إلى ربها. وللنفوس الجاحدة في عنادها ولجاجها؛ وتعرض صورا للجزاء الذي يتلقاه هؤلاء وهؤلاء، وكأنها واقع مشهود حاضر للعيان، يشهده كل قارئ لهذا القرآن.

وفي كل هذه المعارض والمشاهد تواجه القلب البشري بما يوقظه ويحركه ويقوده إلى التأمل والتدبر مرة، وإلى الخوف والخشية مرة، وإلى التطلع والرجاء مرة. وتطالعه تارة بالتحذير والتهديد، وتارة بالإطماع، وتارة بالإقناع.. ثم تدعه في النهاية تحت هذه المؤثرات وأمام تلك البراهين. تدعه لنفسه يختار طريقه، وينتظر مصيره على علم وعلى هدى وعلى نور.

ويمضي سياق السورة في عرض تلك القضية في أربعة مقاطع أو خمسة متلاحقة متصلة: يبدأ بالأحرف المقطعة (ألف. لام. ميم) منبها بها إلى تنزيل الكتاب من جنس هذه الأحرف. ونفي الريب عن تنزيله والوحي به: (من رب العالمين).. ويسأل سؤال استنكار عما إذا كانوا يقولون: افتراه. ويؤكد أنه الحق من ربه لينذر قومه (لعلهم يهتدون)..

وهذه هي القضية الأولى من قضايا العقيدة: قضية الوحي وصدق الرسول [صلى الله عليه وسلم] في التبليغ عن رب العالمين.

ثم يعرض قضية الألوهية وصفتها في صفحة الوجود: في خلق السماوات والأرض وما بينهما، وفي الهيمنة على الكون وتدبير الأمر في السماوات والأرض، ورفع الأمر إليه في اليوم الآخر.. ثم في نشأة الإنسان وأطواره وما وهبه الله من السمع والبصر والإدراك. والناس بعد ذلك قليلا ما يشكرون.

وهذه هي القضية الثانية: قضية الألوهية وصفتها: صفة الخلق، وصفة التدبير، وصفة الإحسان، وصفة الإنعام، وصفة العلم. وصفة الرحمة. وكلها مذكورة في سياق آيات الخلق والتكوين.

ثم يعرض قضية البعث، وشكهم فيه بعد تفرق ذراتهم في التراب: وقالوا: أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد؟ ويرد على هذا الشك بصيغة الجزم واليقين.

وهذه هي القضية الثالثة: قضية البعث والمصير.

ومن ثم يعرض مشهدا من مشاهد القيامة: إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم يعلنون يقينهم بالآخرة ويقينهم بالحق الذي جاءتهم به الدعوة. ويقولون الكلمة التي لو قالوها في الدنيا لفتحت لهم أبواب الجنة؛ ولكنها في موقفهم ذاك لا تجدي شيئا ولا تفيد. لعل هذا المشهد أن يوقظهم -قبل فوات الأوان- لقول الكلمة التي سيقولونها في الموقف العصيب. فيقولوها الآن في وقتها المطلوب.

وإلى جوار هذا المشهد البائس المكروب يعرض مشهد المؤمنين في هذه الأرض: إذا ذكروا بآيات ربهم.. (خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون. تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون).. وهي صورة موحية شفيفة ترف حولها القلوب. يعرض إلى جوارها ما أعده الله لهذه النفوس الخاشعة الخائفة الطامعة من نعيم يعلو على تصور البشر الفانين: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).. ويعقب عليه بمشهد سريع لمصائر المؤمنين والفاسقين في جنة المأوى وفي نار الجحيم وبتهديد المجرمين بالانتقام منهم في الأرض أيضا قبل أن يلاقوا مصيرهم الأليم.

ثم ترد إشارة إلى موسى -عليه السلام- ووحدة رسالته ورسالة محمد [صلى الله عليه وسلم] والمهتدين من قومه، وصبرهم على الدعوة، وجزائهم على هذا الصبر بأن جعلهم الله أئمة. وفي هذه الإشارة إيحاء بالصبر على ما يلقاه الدعاة إلى الإسلام من كيد ومن تكذيب.

وتعقب هذه الإشارة جولة في مصارع الغابرين من القرون، وهم يمشون في مساكنهم غافلين.. ثم جولة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء بالحياة والنماء؛ فيتقابل مشهد البلى ومشهد الحياة في سطور.

وتختم السورة بحكاية قولهم: (متى هذا الفتح؟) وهم يتساءلون في شك عن يوم الفتح الذي يتحقق فيه الوعيد. والجواب بالتخويف من هذا اليوم والتهديد. وتوجيه الرسول [صلى الله عليه وسلم] ليعرض عنهم ويدعهم لمصيرهم المحتوم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

أشهر أسماء هذه السورة هو سورة السجدة، وهو أخصر أسمائها، وهو المكتوب في السطر المجعول لاسم السورة من المصاحف المتداولة. وبهذا الاسم ترجم لها الترمذي في جامعه وذلك بإضافة كلمة سورة إلى كلمة السجدة. ولا بد من تقدير كلمة {ألم} محذوفة للاختصار إذ لا يكفي مجرد إضافة سورة إلى السجدة في تعريف هذه السورة، فإنه لا تكون سجدة من سجود القرآن إلا في سورة من السور.

وتسمى أيضا ألم تنزيل؛ روى الترمذي عن جابر بن عبد الله إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ {ألم تنزيل}، و {تبارك الذي بيده الملك}.

وتسمى {ألم تنزيل} السجدة. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ يوم الجمعة في صلاة الفجر {ألم تنزيل السجدة} و {هل أتى على الإنسان}...

وتسمى هذه السورة أيضا سورة المضاجع لوقوع لفظ {المضاجع} في قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع}...

وهي مكية في إطلاق أكثر المفسرين وإحدى روايتين عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه استثناء ثلاث آيات مدنية وهي {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا} إلى {لعلهم يرجعون}. قيل نزلت يوم بدر في علي بن أبي طالب والوليد ابن عقبة وسيأتي إبطاله. وزاد بعضهم آيتين {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} إلى {بما كانوا يعملون} لما روي في سبب نزولها وهو ضعيف.

والذي نعول عليه أن السورة كلها مكية وأن ما خالف ذلك إن هو إلا تأويل أو إلحاق خاص بعام كما أصلنا في المقدمة الخامسة...

من أغراض هذه السورة:

أولها التنويه بالقرآن أنه منزل من عند الله، وتوبيخ المشركين على ادعائهم أنه مفترى بأنهم لم يسبق لهم التشرف بنزول كتاب.

والاستدلال على إبطال إلهية أصنامهم بإثبات انفراد الله بأنه خالق السماوات والأرض ومدبر أمورهما.

وذكر البعث والاستدلال على كيفية بدء خلق الإنسان ونسله، وتنظيره بإحياء الأرض، وأدمج في ذلك أن إحياء الأرض نعمة عليهم كفروا بمسديها.

والإنحاء على الذين أنكروه ووعيدهم.

والثناء على المصدقين بآيات الله ووعدهم، ومقابلة إيمانهم بكفر المشركين، ثم إثبات رسالة رسول عظيم قبل محمد صلى الله عليه وسلم هدى به أمة عظيمة.

والتذمير بما حل بالمكذبين السابقين ليكون ذلك عظة للحاضرين، وتهديدهم بالنصر الحاصل للمؤمنين.

وختم ذلك بانتظار النصر.

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه تحقيرا لهم، ووعده بانتظار نصره عليهم.

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

وآيات السورة متساوقة ومنسجمة مما يسوغ القول إنها نزلت دفعة واحدة أو متتابعة، وقد روي أن الآيات [16-20] مدنية، وانسجامها مع ما قبلها سبكا وموضوعا يسوغ الشك في الرواية...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

هذه السورة بحكم كونها من السور المكّية تتابع بقوّة الخطوط الأصلية للسور المكّية.

والهدف الأصلي للسورة تقوية اُسس الإيمان بالمبدأ والمعاد، وإيجاد دفعة قويّة في المحتوى الداخلي للإنسان نحو التقوى، والابتعاد عن العصيان والتمرّد والطغيان، والتوجّه إلى مقام الإنسان الرفيع، وهذا المعنى كان يحظى بالأهميّة القصوى خاصّة في بداية حركة الإسلام، وفي محيط مكّة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ألف. لام. ميم.. هذه الأحرف التي يعرفها العرب المخاطبون بهذا الكتاب؛ ويعرفون ما يملكون أن يصوغوا منها ومن نظائرها من كلام، ويدركون الفارق الهائل بين ما يملكون أن يصوغوه منها وبين هذا القرآن؛ وهو فارق يدركه كل خبير بالقول، وكل من يمارس التعبير باللفظ عن المعاني والأفكار. كما يدرك أن في النصوص القرآنية قوة خفية، وعنصرا مستكنا، يجعل لها سلطانا وإيقاعا في القلب والحس ليسا لسائر القول المؤلف من أحرف اللغة، مما يقوله البشر في جميع الأعصار. وهي ظاهرة ملحوظة لا سبيل إلى الجدال فيها، لأن السامع يدركها، ويميزها، ويهتز لها، من بين سائر القول، ولو لم يعلم سلفا أن هذا قرآن! والتجارب الكثيرة تؤكد هذه الظاهرة في شتى أوساط الناس.

والفارق بين القرآن وما يصوغه البشر من هذه الحروف من كلام، هو كالفارق بين صنعة الله وصنعة البشر في سائر الأشياء. صنعة الله واضحة مميزة، لا تبلغ إليها صنعة البشر في أصغر الأشياء. وإن توزيع الألوان في زهرة واحدة ليبدو معجزة لأمهر الرسامين في جميع العصور.. وكذلك صنع الله في القرآن وصنع البشر فيما يصوغون من هذه الحروف من كلام!

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

"آلم" ونرجح هنا أنها للتنبيه واسترعاء السمع.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

(الم) إشارة إلى عظمة القرآن، والقدرة على إظهار عظمة الله سبحانه؛ وهذا الكتاب العظيم الغنيّ المحتوى، والذي هو معجزة محمّد (صلى الله عليه وآله) الخالدة يتكوّن من حروف المعجم البسيطة التي يعرفها الجميع.