{ ويسألونك عن ذي القرنين } يعني إسكندر الرومي ملك فارس والروم . وقيل المشرق والمغرب ولذلك سمي ذا القرنين ، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها ، وقيل لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس ، وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان ، وقيل كان لتاجه قرنان . ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه . واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه ، والسائلون هم اليهود سألوه امتحانا أو مشركو مكة . { قل سأتلو عليكم منه ذكرا } خطاب للسائلين والهاء لذي القرنين وقيل لله .
اختلف المؤرخون والمفسرون في شخصية ذي القرنين ، فقال كثير من المفسرين : إنه اسكندر المقدوني ، وفي تاريخ ملوك حمير واقيال اليمن أن ذا القرنين هو تبَّع بن شمر يرعش . . وأنه غزا بلاد الروم وأوغل فيها حتى وصل إلى وادي الظلمات .
وفي رواية أنه الصعب بن تبع بن الحارث ويلقب بذي القرنين ، وروايات كثيرة ، وكلها من باب الرجم بالغيب والظن الذي لا يغني عن الحق شيئا .
ويقول أبو الكلام أراد في كتابه عن ذي القرنين أنه « كورش الأكبر » مؤسس الأسرة الأخمينية والذي يقول العقاد إننا إذا أمعنا النظر في التاريخ نجد أن أوصافه تنطبق على ما وصف به القرآن ذا القرنين ، إذ كان ملهماً وفاتحا عظيما ، غزا الأرض شرقا وغربا وأقام سدا ليصد به هجمات المغيرين من « يأجوج ومأجوج » على بلاده . وأما اسكندر المقدوني فقد كان وثنيا معروفا بالقسوة والوحشية ، ثم إن الاسكندر لا يعقل أن يكون هو باني سور الصين ، فهو أولا لم يصل الصين ، بل عاد من الهند حيث تمرد عليه رجاله ، وأن سد الصين بني بعده بنحو مائة وعشرين سنة . ما بين سنة 246 - 209 قبل الميلاد وبانيه معروف وهو الملك « ش هو انجتي » . وطول سد الصين 2400 كيلو متر استغرق بناؤه سنين عديدة . وسيأتي الكلام على السد ومكانه قريبا .
يسألك بعض زعماء قريش أيها الرسول عن نبأ ذي القرنين فقل لهم سأقص عليكم بعض أخباره روي في سبب نزول سورة الكهف أن زعماء قريش أرسلوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وَصِفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . . فقال لهم اليهود : سلوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فهو رجل متقوِّل فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، ما كان من أمرهم ، فإنهم كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبيّ فاتبعوه . . . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، فأخبروهم بما قال اليهود . فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن هذه الأمور الثلاثة . فقال : أخبركم غدا عما سألتم ولم يَقُلْ إن شاء الله ، ومكث خمس عشرة ليلة لم يأته الوحي . فأرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه ! وشق ذلك على النبي الكريم ، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف . وهناك روايات أخرى في سبب النزول ولا يهمنا ذلك كله ، والمهم العبرة من القصص القرآني ويكفينا ذلك .
وقوله - سبحانه - : { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين . . } معطوف على قصة موسى والخضر - عليهما السلام - عطف القصة على القصة .
قال البقاعى : كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم ، وكانت قصة ذى القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد فى سبيل الله ، ولما كان العلم أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذى القرنين . . .
والسائلون هم كفار قريش بتلقين من اليهود ، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لقصة أصحاب الكهف . أن اليهود قالوا لوفد قريش : سلوه - أى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثلاث نأمركم بهن . . سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من أمرهم . . وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها . . وسلوه عن الروح .
وجاء التعبير بصيغة المضارع - مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم - لاستحضار الصورة الماضية ، أو للدلالة على أنهم استمروا فى لجاجهم إلى أن نزلت الآيات التى ترد عليهم .
أما ذو القرنين ، فقد اختلفت فى شأنه أقوال المفسرين اختلافا كبيرا ، لعل أقربها إلى الصواب ما أشار إليه الآلوسى بقوله : وذكر أبو الريحان البيرونى فى كتابه المسمى " بالآثار الباقية عن القرون الخالية " ، أن ذا القرنين هو أبو كريب الحميرى ، وهو الذى : افتخر به تبع اليمنى حيث قال :
قد كان ذو القرنين جدى مسلما . . . ملكا علا فى الأرض غير مفند
بلغ المغارب والمشارق يبتغى . . . أسباب ملك من حكيم مرشد
ثم قال أبو الريجان : ويشبه أن يكون هذا القول أقرب ، لأن ملوك اليمن كانوا يلقبون بكلمة ذى . كذى نواس ، وذى يزن . إلخ . .
ومن المقطوع به أن ذا القرنين هذا : ليس هو الإِسكندر المقدونى الملقب بذى القرنين . تلميذ أرسطو ، فإن الإِسكندر هذا كان وثنيا . . بخلاف ذى القرنين الذى تحدث عنه القرآن ، فإنه كان مؤمنا بالله - تعالى - ومعتقدا بصحة البعث والحساب .
والرأى الراجح أنه كان عبدا صالحا ، ولم يكن نبيا .
ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى - عليه السلام - ، ويرى آخرون غير ذلك ومن المعروف أن القرآن الكريم يهتم فى قصصه ببيان العبر والعظات المستفادة من القصة ، لا ببيان الزمان أو المكان للأشخاص .
وسمى بذى القرنين - على الراجح - لبلوغه فى فتوحاته قرنى الشمس من أقصى المشرق والمغرب .
والمعنى : ويسألك قومك - يا محمد - عن خبر ذى القرنين وشأنه .
{ قل } لهم - على سبيل التعليم والرد على تحديهم لك . { سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً } .
والضمير فى " منه " يعود على ذى القرنين و " من " للتبعيض .
أى : قل لهم : سأتلو عليكم من خبره - وسأقص عليكم من أنبائه عن طريق هذا القرآن الذى أوحاه الله إلى ما يفيدكم ويكون فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم تعقلون
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.