{ محمد رسول الله } جملة مبينة للمشهود به ، ويجوز أن يكون { رسول الله } صفة و { محمد } خبر محذوف أو مبتدأ : { والذين معه } معطوف عليه وخبرهما { أشداء على الكفار رحماء بينهم } و{ أشداء } جمع شديد و { رحماء } جمع رحيم ، والمعنى أنهم يغلظون على من خالف دينهم ويتراحمون فيما بينهم كقوله : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } . { تراهم ركعا سجدا } لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم . { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } الثواب والرضا . { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود ، فعلى من سامه إذا أعلمه وقد قرئت ممدودة و{ من أثر السجود } بيانها أو حال من المستكن في الجار . { ذلك } إشارة إلى الوصف المذكور . أو إشارة مبهمة يفسرها { كزرع } . { مثلهم في التوراة } صفتهم العجيبة الشأن المذكور فيها . { ومثلهم في الإنجيل } عطف عليه أي ذلك مثلهم في الكتابين وقوله : { كزرع } تمثيل مستأنف أو تفسير أو مبتدأ و{ كزرع } خبره . { أخرج شطأه } فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ ، وقرأ ابن كثير وابن عامر برواية ابن ذكوان { شطأه } بفتحات وهو لغة فيه ، وقرئ " شطاه " بتخفيف الهمزة و " شطاءه " بالمد و " شطه " بنقل حركة الهمزة وحذفها و " شطوه " بقلبها واوا . { فآزره } فقواه من المؤازرة وهي المعاونة أو من الإيزار وهي الإعانة وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان " فأزره " كأجره في آجره . { فاستغلظ } فصار من الدقة إلى الغلظ . { فاستوى على سوقه } فاستقام على قصبه جمع ساق ، وعن ابن كثير " سؤقه " بالهمزة . { يعجب الزراع } بكثافته وقوته وغلظه وحسن منظره ، وهو مثل ضربه الله تعالى للصحابة قلوا في بدء الإسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس . { ليغيظ بهم الكفار } علة لتشبيههم بالزرع في زكاته واستحكامه أو لقوله : { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } فإن الكفار لما سمعوه غاظهم ذلك ومنهم للبيان .
شَطْأه : شطأ الزرع ما يتفرع عليه من أغصان وورق وثمر .
آزره : أعانه وقوّاه . وهو من المؤازرة وهي المعاونة .
على سوقه : على قصبه وأصوله ، والسوق جمع ساق .
فوصفهم بأوصافٍ كلها مدائح لهم ، وذكرى لمن بعدهم . بتلك الأوصاف سادوا الأمم ، وامتلكوا الدول ، ونشروا الإسلام ، وقبضوا على ناصية العالم . وهذه الصفات هي :
1- أنهم أشدّاء على من خالف دينهم وبادأهم العداء ، وهم متراحمون متعاطفون فيما بينهم .
2- أنهم جعلوا الصلاة والإخلاص لله طريقتهم في أكثر أوقاتهم ، لذلك تُبِصرهم راكعين خاشعين كثيرا .
3- وأنهم بذلك يطلبون ثوابا عظيما من الله تعالى ورضوانا منه .
4- ذلك وصفهم البارز في التوراة .
5- وفي الإنجيل ضرب بصفتهم المثل فقال : سيخرج قوم ينبُتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .
ذلك أنهم في بدء الإسلام كانوا قليلي العدد ثم كثروا وارتقى أمرهم يوما بعد يوم حتى أعجب الناسُ بهم ، كصفة زرع أخرج أول ما ينشقّ عنه ، فآزره فتحوّل من الدِقة إلى الغِلظ ، فاستقام على أصوله ، يُعجِب الزراعَ بقوّته واكتماله . وكذلك كان حال المؤمنين لِيَغيظَ الله بهم وبقوّتهم الكفار .
{ وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }
وقد وفى سبحانه وتعالى بوعده ونصر رسوله وجُندَه ، وهزم الأحزابَ وحده .
بهذه الأوصاف الجليلة يختم هذه السورة العظيمة ، وهذه أوصاف الأمة الإسلامية أيام عزها ، يوم كان المسلمون مستمسكين بالعروة الوثقى ، سائرين على هُدى دينهم بحق وإخلاص . فانظر الآن وتأمل في حال المسلمين : يحيط بهم الذل والخوف من شرذمة من اليهود تجمعت في فلسطين ، اغتصبت ديار الإسلام ، وهي تضرب العرب في لبنان صباح مساء وتبيد الناس إبادة ، وتهدم ما يصنع العرب من أدوات للتقدم حتى وصلت إلى ضرب المفاعل الذري في بغداد ، ويصرخ زعماؤها بتبجح اليهود المعروف أنها لن تسمح للعرب أن يقيموا أية آلة تجعلهم يتقدمون صناعياً وعلميا . كل هذا وحكام العرب خائفون ساكتون كأن شيئا لم يحدث ، وزعماؤهم يتباكون ويطلبون من أمريكا عدوّ العرب الأول أن تحلّ لهم قضيتهم ! يا للذل والعار ! كيف نستطيع أن نواجه ربنا غداً يوم نلقاه !
ما هي العلة التي نتعلل بها لرسولنا الكريم ! لعل الله أن يبدل الحالَ غير الحال ، ويخضّر الزرعُ بعد ذبوله ، وتعود الأمة إلى سيرتها الأولى ، متمسكة بدينها الحنيف ، مجتمعة الكلمة ، موحدة الهدف . واللهَ أسأل أن يلهمنا الصواب والرشد والرجوع إلى ديننا الحنيف . وعند ذلك ينطبق علينا قوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } والحمد لله رب العالمين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.