نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (104)

ولما تقدم الفطام عن الميل لمن يطلب الآيات ، وكان طلبهم لها إنما هو على وجه الشك ، وإن لم يكن على ذلك الوجه فإنه فعل الشاك غالباً وتقدمت أجوبة لهم ، وختم ذلك بتهديدهم وبشارة المؤمنين الموجبة لثباتهم ، ناسبه{[38674]} كل المناسبة أن اتبعت{[38675]} بالأمر بجواب آخر دال على ثباته صلى الله عليه وسلم وأنه مظهر دينه رضي من رضي وسخط من سخط ، لأن البيان قد وصل إلى غايته{[38676]} في قوله تعالى : { قل يا أيها الناس } أي الذين هم في حيز الاضطراب ، لم ترقهم هممهم إلى رتبة الثبات { إن كنتم } أي كوناً هو كالجبلة منغمسين { في شك } كائن { من } جهة { ديني } تطلبون لنزوله{[38677]} - بعد تكفل العقل بالدلالة عليه - إنزال الآيات ، فأنا لست على شك من صحة ديني وبطلان دينكم فاعرضوه على عقولكم وانظروا ما فيه من الحكم مستحضرين ما لدينكم{[38678]} من الوهي الذي تقدم بيانه في قوله تعالى { قل أرأيتم{[38679]} ما أنزل الله لكم من رزق }{[38680]}[ يونس : 59 ] ونحوه { فلا أعبد } أي الآن ولا في مستقبل الزمان { الذين تعبدون } أي الآن أو بعد الآن { من دون الله } أي الملك الأعظم لعدم قدرتهم على شيء من ضري ، فلا تطمعوا في أنه يحصل لي شك بسبب حصول الشك لكم ، فإذاً{[38681]} لا أعبد غير الله أصلاً .

ولما كان سلب عبادته عن غيره ليس صريحاً في إثباتها له قال : { ولكن أعبد الله } أي الجامع لأوصاف الكمال عبادة مستمرة ؛ ثم وصفه بما يوجب الحذر منه{[38682]} ويدل على كمال قدرته { الذي يتوفاكم } بانتزاع أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها . فلا تطمعون - عند إرادته لنزعها - في المحاولة لتوجيه دفاع عن ذلك . وفي هذا الوصف - مع ما فيه من الترهيب - إشارة إلى الدلالة على الإبداء{[38683]} والإعادة ، فكأنه قيل : الذي أوجدكم من عدم كما أنتم به مقرون بعدمكم بعد هذا الإيجاد وأنتم صاغرون ، فثبت قطعاً أنه قادر على إعادتكم بعد هذا الإعدام بطريق الأولي فاحذروه لتعبدوه كما أعبده فإنه قد أمرني بذلك وأنتم تعرفون غائلة الملك إذا خولف ، وقال { إن كنتم في شك } مع أنهم يصرحون{[38684]} ببطلان دينه ، لأنهم في حكم الشاك{[38685]} لاضطرابهم عند ورود الآيات ، أو لأن فيهم الشاك فغلب لأنه أقرب إلى الحير ؛ والشك : وقوف بين المعنى ونقيضه ، وضده الاعتقاد فإنه قطع بصحة المعنى دون نقيضه ، وعبر ب " من " إشارة إلى أن{[38686]} فعلهم ذلك ابتدأ من الدين ، ولو عبر ب " في " لأفهم{[38687]} أنهم دخلوا فيه لأنهم في الشك والشك في الدين ، والظرف لظرف الشيء ظرف لذلك الشيء ، وترك العطف إشارة إلى أن كل جواب منها كاف على حياله .

ولما قرر ما هو الحقيق بطريق العقل ، أتبعه بما ورد من النقل بتأييده وإيجابه بقوله : { وأمرت } أي بأمر جازم ماض ممن لا أمر لأحد معه ، وعظم المأمور به بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال{[38688]} : { أن أكون } أي دائماً كوناً جبلياً ، ولما كان السياق لما يحتمل الشك من الأمر الباطن ، عبر بالإيمان الذي هو للقلب فقال{[38689]} : { من المؤمنين } أي الراسخين في هذا الوصف


[38674]:من ظ، وفي الأصل: ناسب.
[38675]:من ظ، وفي الأصل: تبعث.
[38676]:في ظ: غاية.
[38677]:في ظ: لزواله.
[38678]:في ظ: لديكم.
[38679]:سقط من ظ.
[38680]:سورة 10 آية 59.
[38681]:في ظ: فأنا.
[38682]:زيد من ظ.
[38683]:من ظ، وفي الأصل: الأبد.
[38684]:في ظ: مصرحون.
[38685]:في ظ: السك ـ كذا.
[38686]:سقط من ظ.
[38687]:في ظ: لا أفهم.
[38688]:زيد من ظ.
[38689]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (104)

قوله تعالى : { قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين 104 وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين 105 ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين 106 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم } يأمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب أن يقول لهؤلاء المشركين من قومه : إن كنتم ترتابون فيما جئتكم به من دين يدعوكم إلى التوحيد وعبادة الله وحده ، ويحذركم من الشرك واتخاذ الأنداد من دون الله ؛ فإني أبين لكم صراحة أنني لا أعبد ما تعبدون من آلهة مصطنعة موهومة بلهاء لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ولا تعقل ولا تغني عن أحد شيئا . وفي ذلك من التنبيه إلى سفاهة المشركين وبساطه أحلامهم ما لا يخفى .

قوله : { ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين } أعبد من يستحق العبادة وهو لله ذو القدرة والجبروت ، ومالك الأشياء والحياة والملكوت وهو الذي بيده مقاليد الوجود كله وبيده حياتكم ومماتكم وإليه تبصرون جميعا بعد أن ينتزع أرواحكم فتفضون إلى الموت . ذلكم الله القادر الخالق الذي أذعن له حده بالطاعة والعبادة وأصدق مستيقنا ما جاءني من عنده .