نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ} (65)

ولما أخبروه بوقوع العذاب بهم ، أمروه بما يكون سبباً فيما أمروا به من إنجائه ، فقالوا : { فأسر } فأتو بالفاء لأن ما بعدها مسبب عما قبلها { بأهلك بقطع } أي طائفة { من الليل واتبع } أي كلف نفسك أن تتبع { أدبارهم } لتكون أقربهم إلينا وإلى محل العذاب ، لأنك أثبتهم قلباً وأعرفهم بالله ، والشر من ورائكم ، وقد جرت عادة الكبراء أن يكونوا أدنى جماعتهم إلى الأمر المخوف سماحاً بأنفسهم وتثبيتاً لغيرهم ، وعلماً منهم بأن مداناة ما فيه وجل لا يقرب من أجل ، وضده لا يغني من قدر ، ولا يباعد من ضرر ، ولئلا يشتغل قلبك بمن خلفك ، وليحتشموك فلا يلتفتوا ، أو يتخلف أحد منهم - وغير ذلك من المصالح ؛ والدبر : جهة الخلف وهو ضد القبل { ولا يلتفت } أي أصلاً { منكم أحد } إذ لا فائدة فيه لأن الملتفت غير ثابت ، لأنه إما غير مستيقن لخبرنا أو متوجع لهم ، فمن التفت ناله العذاب ، وذلك أيضاً أجد في الهجرة ، وأسرع في السير ، وأدل على إخراج ما خلفوه من منازلهم وأمتعتهم من قلوبهم ، وعلى أنهم لا يرقون لمن غضب الله عليهم مع أنهم ربما رأوا ما لا تطيقه أنفسهم { وامضوا حيث } وتعبيره بالمضارع يشعر بأنه يكون معهم بعض الملائكة عليهم السلام في قوله : { تؤمرون * } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ} (65)

قوله : ( فأسر بأهلك بقطع من الليل ) أسر ، وسرى أسرى يسْري سُرىً ؛ أي سار ليلا{[2468]} . أمرت الملائكة لوطا أن يسير بأهله ( بقطع من الليل ) أي ببقية من الليل . أو بآخره .

قوله : ( واتبع أدبارهم ولا يتلفت منكم أحد ) أي امض خلف أهلك الذين تسري بهم فكن من ورائهم وهم أمامك ( ولا يلتفت منكم أحد ) أي لا تلتفتوا إلى الذين وراءكم ممن حاق بهم العذاب . وذلك كيلا يتخلف منكم أحد فيصيبه من العذاب ما أصاب قوم لوط . أو كيلا يرى ما نزل بالقوم المجرمين من العذاب والنكال .

قوله : ( وامضوا حيث تؤمرون ) أي حيث أمركم الله بالمضي إليه . قال ابن عباس : يعني الشام . وقيل : إنه مضى إلى أرض الخليل بمكان يقال اليقين . وإنما سمي اليقين ؛ لأن إبراهيم لما خرجت الرسل شيعهم . فقال لجبريل : من أين يُخسف بهم ؟ قال : " من هاهنا " وحدّ له حدّا . وذهب جبريل . فلما جاء لوط جلس عند إبراهيم وارتقبا ذلك العذاب ، فلما اهتزت الأرض قال إبراهيم : أيقنتُ بالله ؛ فسمي اليقين .


[2468]:- مختار الصحاح ص 297.