نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (120)

ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وإن عظم جرمه ، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام في قوله :

{ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم }[ إبراهيم : 36 ] ، أتبع ذلك ذكره ترغيباً في اتباعه في التوحيد ، والميل مع الأمر والنهي إقداماً وإحجاماً إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء ، فقال على سبيل التعليل لما قبله : { إن إبراهيم } ، أي : أباكم الأعظم إمام الموحدين ، { كان أمة } ، فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به ، { قانتاً } ، أي : مخلصاً ، { لله } ، أي : الملك الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى ، { حنيفاً } ، ميالاً مع الأمر والنهي بنسخ أو بغيره ، فكونوا حنفاء أتباعاً للحق ، لما قام عليه من الأدلة ، واستناناً بأعظم آبائكم .

ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم عليه السلام ، وكانت الأوصاف الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم ، وأتى بعدها وصف سلبي بجملة ، حذف نون { يكن } منها ؛ إيجازاً وتقريباً للفهم تخفيفاً عليه وحفظاً له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد ، وإعلاماً بأن الفعل منفي عنه عليه السلام على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل ، فقيل : { ولم يك } ، ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم ، قبح عليهم ذلك بأن أعظم من يعتقدون عظمته من آبائهم ليس من ذلك القبيل ، فقال تعالى : { من المشركين * } ، الواقفين مع الهوى ، فلا تكونوا منهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (120)

قوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين ( 120 ) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ( 121 ) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ( 122 ) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( 123 ) } الأمة ، الذي يؤتم به . ويؤيد ذلك قوله عز وعلا : ( إني جاعلك للناس إمام ) ، أي : قدوة يقتدي به المهتدون ويأتمون . وقال ابن مسعود : أتدرون ما الأمة ؟ الذي يعلم الناس الخير . وكان عليه السلام ( قانتا لله ) ، أي : مطيعا . من القنوت وهو الطاعة{[2628]} ، وكان كذلك ( حنيفا ) ، والحنيف ، المائل إلى ملة الإسلام ، المستقيم على التوحيد ، ( ولم يكن من المشركين ) ، كان عليه السلام من الموحدين فلم يتلبس طيلة حياته بشرك لا في صغر ولا كبر . وهذا إخبار من الله للمشركين أن إبراهيم بريء منهم وهم منه براء ؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام على الحنيفية المستقيمة التي بنيت على التوحيد الكامل ، والمبرأة من كل أدران الشرك . أما العرب في جاهليتهم فكانوا متلبسين بالشرك ، ضالعين فيه ضلوع الضالين المفرطين .


[2628]:- مختار الصحاح ص 552.