نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا} (16)

ولما كان حاصل القصة أنه ولد أخرجه الله تعالى عن سبب هو في ضعفه قريب من العدم ، أما من جهته فلبلوغه{[47917]} إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل حركة الجماع عادة ، وأما من جهة{[47918]} زوجته{[47919]} فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ذلك{[47920]} السن بكونها عاقراً{[47921]} لم تقبل حبلاً قط ، أتبعه{[47922]} بقصة هي أغرب من قصته بكونها ليس فيها إلا سبب واحد وهو المرأة ، وعدم فيها سبب الذكورية أصلاً ، إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء تارة بسبب قوي ، وتارة بسبب ضعيف ، وتارة بلا سبب ، ومن كان كذلك كان مستغنياً عن الولد ؛ ولما كان على اليهود الآمرين بالسؤال تعنتاً عن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين أن ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينهم باطل لشركهم{[47923]} ، فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت ، وكانت قصة زكريا أعظم في {[47924]}تبكيتهم بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى عليهما السلام ، قدمها في الذكر ، وتوطئة لأمر عيسى عليه السلام كما مضى بيانه في آل عمران إلزاماً لهم بالاعتراف{[47925]} به ، وللنصارى بالاعتراف بأنه عبد ، كما اعترف كل منهما{[47926]} بأمر يحيى عليه السلام ، وذلك بما جمع بينهما من خرق العادة ، وكانت قصة يحيى أولى من قصة إسحاق عليهما السلام لما تقدم ، ولمشاهدة{[47927]} الذين{[47928]} اختلفوا في عيسى عليه السلام من الفريقين لأمره وأمر يحيى عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في الزمن مع ما لهما من قرب النسب ، ولما كانت قصة عيسى{[47929]} عليه السلام أغرب ، أشار إلى ذلك بتغيير السياق {[47930]}فقال عاطفاً على ما تقديره : اذكر هذا لهم{[47931]} : { واذكر } - بلفظ الأمر { في الكتاب مريم } ابنة عمران خالة يحيى - كما في الصحيح من حديث أنس بن مالك عن مالك{[47932]} بن صعصعة الأنصاري رضي الله عنهما في حديث الإسراء : " فلما خلصت{[47933]} فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة " {[47934]}ثم أبدل من { مريم } بدل اشتمال قوله{[47935]} : { إذ } أي اذكر ما اتفق لها حين{[47936]} { انتبذت } أي {[47937]}كلفت نفسها أن{[47938]} اعتزلت {[47939]}وانفردت{[47940]} { من أهلها } حالة{[47941]} { مكاناً شرقياً * } عن مكانهم ، {[47942]}فكان انفرادها في جهة مطالع الأنوار إشارة إلى ما يأتيها من الروح الإلهي{[47943]}


[47917]:من ظ ومد، وفي الأصل: فبلوغه.
[47918]:سقط من مد.
[47919]:في ظ ومد: زوجه.
[47920]:زيدت الواو في الأصل ولم تكن في ظ ومد فحذفناها.
[47921]:من ظ ومد،وفي الأصل: عاقر.
[47922]:من ظ ومد وفي الأصل: تبعه.
[47923]:من ظ ومد وفي الأصل: بشركهم.
[47924]:من ظ ومد وفي الأصل: من.
[47925]:من ظ ومد وفي الأصل: الاعتراف.
[47926]:في ظ: منهم.
[47927]:من ظ ومد وفي الأصل: أما هذه.
[47928]:في ظ: اللذين.
[47929]:من مد، وفي الأصل وظ: يحيى.
[47930]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47931]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[47932]:زيد من ظ ومد والصحيح باب المعراج بنيان الكعبة.
[47933]:من ظ ومد والصحيح وفي الأصل: تخلصت.
[47934]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47935]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47936]:في ظ: إذ.
[47937]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47938]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47939]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47940]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47941]:سقط من ظ.
[47942]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47943]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا} (16)

قوله تعالى : { واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ( 16 ) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ( 17 ) قالت إني أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا ( 18 ) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ( 19 ) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ( 20 ) قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( 21 ) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ( 22 ) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ( 23 ) } .

بعد أن بين قصة زكريا وولده يحيى عطف بيان قصة مريم البتول وولدها الزكي . والمخاطب رسول الله ( ص ) ؛ إذ يأمره ربه أن يبين للناس هذه القصة ليقفوا على كمال قدرة الله الذي لا تستعصي عليه النواميس الكونية أو طبائع الأشياء والخليقة ولا يعز عليه أن يصنع ما يريد مما فيه خرق لقوانين الوجود ، فقال : واذكر لهم يا محمد في هذا القرآن قصة مريم حين تنحت واعتزلت أهلها ( مكانا شرقيا ) ( مكانا ) ، منصوب على أنه ظرف مكان ، وقيل : مفعول به لفعل مقدر . وتقديره : وقصدت مكانا قصيا .

و ( شرقيا ) ، صفة له{[2889]} ؛ أي أنها تنحت عن أهلها في مكان شرقي بيت المقدس معتزلة عن الناس حتى تطهر من الحيض . وقيل : لتحبس نفسها للعبادة وهذا أظهر ؛ فقد جُعلت مريم وقفا على سدانة بيت الله وخدمته ؛ فهي تحرص على الانقطاع للتبتل وعبادة الله ، معتزلة الناس من أجل هذه الوجيبة الفضلى .


[2889]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 122.