ولما قرر سبحانه لبني إسرائيل أن أباهم يعقوب ممن أوصى بنيه بالإسلام قال مبكتاً لهم : { أم }{[5131]} فعلم قطعاً من ذكر حرف العطف أن المعطوف عليه محذوف كما قالوا في أحد التقادير{[5132]} في هذه الآية وفي{ أمّن هو قانت آناء الليل{[5133]} }[ الزمر : 9 ] في سورة الزمر{[5134]} فكان التقدير هنا{[5135]} {[5136]}لتوبيخهم وتقريعهم بأن أيّ شق اختاروه لزمهم به ما يكرهون{[5137]} : {[5138]}أكنتم غائبين عن هذه الوصية من إبراهيم ويعقوب عليهما السلام أم حاضرين وكنتم غائبين{[5139]} في أمر يعقوب عليه السلام خاصة أم { كنتم شهداء } الآية ، أي أكنتم غائبين عن علم ذلك أم لا حين حكمتم بتخصيص أنفسكم بالجنة ليمنعكم ذلك عن مثل هذا الحكم ؛ وعلى كل تقدير لا يضركم جهله ، لأن عندكم في كتاب الله المنزل على بيتكم من الأمر بمثله عن الله ما يغنيكم عنه ، وهو مانع لكم أيضاً من هذا الحكم على وجه قطعي ؛ وفي ذلك إشارة إلى عدم وجوب التقيد{[5140]} بالآباء ، وإرشاد إلى توسيع{[5141]} الفكر إلى المنعم الأول وهو رب الآباء للتقيد{[5142]} بأوامره والوقوف عند زواجره{[5143]} سواء كان ذلك موافقاً لشرع الآباء أو مخالفاً ؛ ولما كان هذا لازماً لمضمون قوله تعالى : تلك أمة قد خلت }[ البقرة : 134 ] أتبعه بها ، أي{[5144]} فما لكم وللسؤال عنها في ادعائكم أنهم كانوا هوداً أو نصارى ؟ كما سيأتي النص بالتوبيخ على ذلك وإتباعه مثل هذه الآية ، لأنه إما أن يكون السؤال عن النسب أو عن العمل ولا ينفعكم شيء منهما ، لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى ، فليس السؤال عنهم حينئذ لمن عنده علم ما يأتي وما يذر إلا فضولاً ، وفيه تنبيه على أنهم قطعوا أنفسهم عنهم ، لأنهم لما لم يتبعوهم في الإسلام فصلوا ما بينهم وبينهم من الوصلة بالنسب وحصلت براءتهم منهم ، لأن نسب الدين أعظم من نسب الماء والطين ، أو يقال وهو أحسن : لما ادعى أهل الكتاب أن الجنة خاصة بهم ورد ذلك سبحانه عليهم بأنها لمن أسلم محسناً وذكرهم بأحوال الخليل عليه السلام حتى ختم بأنه{[5145]} من رؤوس المتصفين بهذا الوصف وأنه أوصى بنيه به فكان كأنه قيل إنكاراً عليهم في دعواهم الاختصاص بالجنة وتقريراً لهم : أ{[5146]}كنتم شهداء لذلك منه حتى تكونوا ممن ائتمر بأمره في وصيته فتكونوا أهلاً للجنة أم كنتم شهداء يا بني يعقوب { إذ حضر يعقوب } صاحب نسبكم الأشهر { الموت } وهو على{[5147]} ما أوصى به إبراهيم بنيه { إذ قال } أي يعقوب { لبنيه } .
{[5148]}ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم التعميم في كل شيء ليقع التخصيص موقعه فلا يحتاج إلى سؤال آخر{[5149]} عبر بما العامة للعاقل وغيره فقال : { ما تعبدون{[5150]} } {[5151]}ولو عبر بمن لم يفد جوابهم هذا التصريح ينفي عبادة شيء مما لا يعقل{[5152]} ، وقيده بقوله : {[5153]}{ من بعدي } لأن الخليفة كثيراً ما يخلف{[5154]} الغائب بسوء وإن كان مصلحاً{[5155]} في حضوره ، {[5156]}وأدخل الجار لأن أعمارهم لا تستغرق الزمان{[5157]} { قالوا نعبد إلهك } الذي خلقك { وإله آبائك } الذي خلقهم وبقي بعدهم ويبقى بعد كل شيء ولا بعد له ، كما كان قبل كل شيء ولا قبل له ؛ ثم بينوا الآباء بقولهم : { إبراهيم } أي جدك { وإسماعيل } لأنه عم والعم صنو الأب فهو أب مجازاً { وإسحاق } .
ولما تقدم ذكر الإله في إضافتين بينوا أن المراد به{[5158]} فيهما واحد{[5159]} تحقيقاً للبراءة من الشرك وتسجيلاً على أهل الكتاب بتحتم بطلان قولهم فقالوا : { إلهاً واحداً } ثم أخبروا بعد توحيدهم الذي تقدم أنه معنى الإحسان في قوله :{ وهو محسن }[ البقرة : 112 ] بإخلاصهم في عبادتهم بقولهم { ونحن له } أي وحده لا للأب ولا غيره { مسلمون } أي لا اختيار لنا معه بل نحن له كالجمل الآنف{[5160]} حيثما قادنا انقدنا ، أي أم كنتم شهداء له في هذه الوصية لنشهد{[5161]} لكم بما شهدنا لبنيه الموجودين{[5162]} إذ ذاك{[5163]} من الإسلام فتكونوا{[5164]} من أهل الجنة .
قوله : { أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } ذلك توبيخ للكافرين من مشركي العرب وأهل الكتاب وهم النصارى واليهود . فقد كان هؤلاء جميعا يتشبثون كذبا بانتسابهم لملة إبراهيم عليه السلام ، مع أن إبراهيم كان على الحنيفية القائمة على التوحيد ، أما هم فإنهم مشركون فساق مجانبون للحنيفية والتوحيد ، وموغلون في الشرك والوثنية والضلالات ، بل إنهم جميعا ضالعون في الموبقات والآفات بكل صورها وأشكالها .
وفي هذه الآية توبيخ لهؤلاء الكافرين جميعا كأنما يقول لهم : هل شهدتم يعقوب وهو يوصي بنيه بما أوصاهم به ؟ ! والحقيقة أنكم لم تشهدوه ولم تعلموا عن ذلك شيئا . والمعلوم أن يعقوب إذ حضره الموت قال لبنيه وهم مجتمعون من حوله : { ما تعبدون من بعدي } أي سألهم عن حقيقة معبودهم من بعده وذلك على سبيل التنبيه إلى ضرورة الاستمساك بالملة السمحة ، ملة أبيهم وإبراهيم والذين جاؤوا من بعده من النبيين ، وعلى سبيل التحقق من سلامة إجابتهم ؛ ليطمئن قلبه وهو يدنو من الموت ويوشك أن يبارح الدنيا .
فكان جوابهم مثلما أراد { قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا } فملة التوحيد واحدة لا تتجزأ ولا تحتمل اختلافا . وإنما هي الحنيفية الحقة التي قامت عليها الأديان السماوية جميعا بداء بأبي البشر آدم وانتهاء بالنبي الخاتم صلوات الله عليه . وهم جميعهم تشدهم عقيدة ملتئمة واحدة ، ويجمعهم دين واحد وهو الإسلام الذي يعني الاستسلام والخضوع لله وحده والذي يقوم أساسا على التوحيد الكامل والإقرار لله سبحانه بالعبودية المطلقة . قال سبحانه : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } .
وفي الحديث النبوي الشريف ما يدل على الوحدة في الدين والعقيدة ، والتفاوت في الشرائع " نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد " {[137]} والمراد بأولاد العلات ، الأخوة لأب واحد وأمهات متعددة . وفي هذا التشبيه ما يبين أن النبيين جميعا يلتقون على صعيد الملة الواحدة وهي ملة التوحيد ، ويتفاوتون من حيث الشرائع التي تغطي مقتضيات الأحوال والظروف والبيئات .
وعن حقيقة الاستسلام لله والإذعان له بالعبودية والامتثال يجيب بنو يعقوب أباهم { ونحن له مسلمون } أي عابدون خاضعون ممتثلون . وفي ذلك من الدلالة على أن النبيين جميعا مسلمون ، وأن أتباعهم وأشياعهم والذين آمنوا برسالاتهم واتبعوهم- غير مشركين ولا محرفين- كذلك مسلمون . ذلك ما يفرضه مفهوم العبارة وحقيقة المدلول الواضح السليم لكلمة الإسلام بما يعنيه من امتثال وخضوع واستسلام لله وحده{[138]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.