ثم{[27884]} لما حرموا هذه الأشياء اضطروا إلى تحليل الميتة فحرموا الطيب وأحلوا الخبيث . ولما اتخذوه ديناً واعتقدوه شرعاً ومضى عليه أسلافهم ، دعتهم الحظوظ والأنفة من نسبة آبائهم إلى الضلال والشهادة عليهم بالسفه إلى الإصرار عليه وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته{[27885]} حتى أفنى أكثرهم السيف ووطأتهم{[27886]} الدواهي ، فوطأت أكتافهم وذللت{[27887]} أعناقهم وأكنافهم ، فقال تعالى دالاً على ختام الآية التي قبله{[27888]} من عدم عقلهم : { وإذا قيل لهم{[27889]} } أي من أيّ قائل كان ولو أنه ربهم ، بما ثبت من كلامهم{[27890]} بالعجز عنه أنه كلامه{[27891]} { تعالوا } أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل { إلى ما أنزل الله{[27892]} } أي الذي لا أعظم منه ، وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه { وإلى الرسول } أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم{[27893]} ما يحبه لكم ويرضاه { قالوا حسبنا } أي يكفينا { ما وجدنا عليه آباءنا } .
ولما كانوا عالمين بأنه ليس في{[27894]} آبائهم عالم ، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء ، قال منكراً عليهم موبخاً لهم{[27895]} : { أولو } أي{[27896]} يكفيهم ذلك{[27897]} إذا قالوا ذلك{[27898]} ولو { كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً } أي من الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن الله بطريق من الطرق الواصلة{[27899]} إليه ، ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلاً للاقتداء به ، وقد لا يشعر لكونه جهله مركباً فلا يجوز الاقتداء به ، بين أنهم من أهل هذا القسم فقال : { ولا يهتدون * } أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى صواب ، لأن من لا يعلم لا{[27900]} صواب له ، لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم ، وأدل دليل على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة ، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار ، فلا أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع على الكدر ، ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر ، وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في سورة النساء{ إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً }[ الآية : 117 ] إلى قوله :{ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام{[27901]} }[ النساء : 119 ] فالتفت حينئذ إلى قوله : { رجس من عمل الشيطان } أيّ التفات .
قوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } إذا قيل لهؤلاء الضالين السفهاء الذين افتروا على الله الكذب باشتراع البحائر والسوائب والوصائل والحوام : تعالوا إلى كتاب الله الحكيم وسنة نبيه الكريم ليتميز لكم الحق من الباطل وليتبين لكم كذب ما افتريتموه أجابوكم بالاستنكاف ؛ إذ يقولون : يكفينا ما ألفينا عليه آباءنا في هذا الشأن فهم لنا أئمة وقادة ونحن لهم تبع ورضينا بما شرعوه من تحليل وتحريم ولا نرضى بغيره بديلاً .
قوله : { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام الإنكاري . والتقدير : أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم { لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } وذلك توبيخ مرير يليق بهؤلاء السفهاء الذين تعطلت فيهم حاسة الوعي والإدراك فراحوا يقلدون آباءهم وأجدادهم الظالمون في الباطل والضلال ! على أن الاقتداء لا يصح بغير العالم المهتدي . وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة والدليل والاستغراق في علوم الشريعة من لغة وفقه وأصول وغير ذلك من علوم الدين .
أما الاقتداء بغير العالمين بكتاب الله وسنة رسوله من القادة والساسة وأئمة الباطل فذلك لعمر الحق هو الضلال . بل إنه الإيذان بالسقوط في مهاوي الضياع والخسران الأكبر في الدنيا والآخرة . ولا يتبع الناس أئمة الباطل وساسة الكفر من الذين يحكمون المسلمين بغير منهج الإسلام ، إلا كان ذلك سبباً حقيقيّاً يؤذن بالانتكاس في الردى والهزيمة ، بما يدمغ الأمة كلها بوصمة الخزي والعار والذل ، كالذي حاق بالمسلمين في كثير من الأزمان – وفي العصر الراهن على وجه الخصوص . فباتوا بذلك أشتاتاً ممزقين قد استحوذ عليهم أعداؤهم الكافرون من استعماريين وصليبيين ووثنيين وصهيونيين وملحدين ، فعاثوا في ديارهم إفساداً وتخريباً وتبديداً( {[1094]} ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.