نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

{ فإن } ولما كان المراد مجرد الاطلاع بني للمفعول قوله : { عثر } أي اطلع مطلع بقصد أو بغير قصد ؛ قال البغوي : وأصله الوقوع على الشيء أي من عثرة الرجل { على أنهما } أي الشاهدين إن أريد بهما الحقيقة أو الوصيين{[28000]} { استحقا إثماً } أي بسبب شيء خانا فيه من أمر الشهادة { فآخران } أي من الرجال الأقرباء للميت { يقومان مقامهما } أي ليفعلا حيث اشتدت الريبة من الإقسام عند مطلق الريبة ما فعلا { من الذين استحق } أي طلب وقوع الحق بشهادة من شهد { عليهم } هذا{[28001]} على قراءة الجماعة ، و{[28002]} على قراءة حفص بالبناء للفاعل ، المعنى{[28003]} : وجد وقوع الحق عليهم ، وهم أهل الميت وعشيرته .

ولما كان كأنه قيل : ما منزلة هذين الآخرين من الميت ؟ فقيل{[28004]} : { الأوليان } أي الأحقان بالشهادة الأقربان إليه العارفان بتواطن أمره ، وعلى قراءة أبي بكر وحمزة بالجمع ، كأنه قيل : هما من الأولين أي في الذكر وهم أهل الميت ، فهو نعت للذين استحق { فيقسمان } أي هذان الآخران { بالله } أي الملك{[28005]} الذي لا يقسم إلا به لما له من كمال العلم وشمول القدرة { لشهادتنا } أي بما يخالف شهادة الحاضرين للواقعة { أحق من شهادتهما } أي أثبت ، فإن تلك إنما ثباتها في الظاهر ، وشهادتنا ثابتة في نفس الأمر وساعدها الظاهر بما عثر عليه من الريبة { وما اعتدينا } أي تعمدنا في يميننا مجاوزة الحق { إنا إذاً } أي إذا وقع منا اعتداء { لمن الظالمين * } أي الواضعين الشيء{[28006]} في غير موضعه كمن يمشي في الظلام ، وهذا إشارة إلى أنهم على بصيرة ونور مما شهدوا به ، وذلك أنه لما وجد الإناء الذي فقده{[28007]} أهل الميت وحلف الداريان بسببه أنهما ما خانا طالبوهما ، فقالا : كنا اشتريناه منه ، فقالوا : ألم نقل لكما : هل باع صاحبنا شيئاً ؟ فقلتما : لا ، فقالا : لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم{[28008]} فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر فقام اثنان من أقارب الميت فحلفا على الإناء ، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إليهما ، لأن الوصيين ادعيا على الميت البيع فصار اليمين في جانب الورثة لأنهم أنكروا ، وسمي أيمان الفريقين شهادة كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة - نبه على ذلك{[28009]} الشافعي ، وكان ذلك لما{[28010]} في البابين من مزيد التأكيد .


[28000]:من ظ، وفي الأصل: الوصية.
[28001]:تكرر في الأصل.
[28002]:تكرر في الأصل.
[28003]:سقط من ظ.
[28004]:في ظ: فقال.
[28005]:زيد من ظ.
[28006]:في ظ: للشيء.
[28007]:من ظ، وفي الأصل: فقد.
[28008]:زيد من ظ.
[28009]:زيد من ظ.
[28010]:من ظ، وفي الأصل: كما.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

قوله : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً } أي إن علم أو اطُّلع بعد التحليف على أن هذين الشاهدين –أو الوصيين في قول- فعلا ما يوجب إثماً من كذب أو زور أو تحريف للشهادة أو أكل للموصى به بغير حق فليشهد بدلاً منهما شاهدان آخران .

قوله : { فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } آخران مبتدأ و{ يَقُومَانِ } صفته . وخبر المبتدأ { الأَوِلَيَانِ } . أي رجلان شاهدان . مقامهما مصدر( {[1102]} ) .

والمعني أن يقوم شاهدان آخران أو حالفان آخران مقام الشاهدين اللذين كذبا وفرطا وخانا فيشهدا أو يحلفا على ما هو حق .

قوله : { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأََوْلَيَانِ } ثمة قراءتان مشهورتان لقوله : { اسْتَحَقَّ } إحداهما : القراءة بالبناء للمفعول أي بضم التاء في قول الجمهور . فيكون الأوليان مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف . أي هما الأوليان . وقيل : بدل من ضمير يقومان . أو من { آخَرَانِ } فيكون المعنى بذلك : من الذين جُني عليهم وهم الورثة فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم . والأوليان مثنى أولى .

أما القراءة الثانية فهي البناء للفاعل أي نفتح التاء . فيكون الأوليان فاعل استحق . والأوليان الأقربان للميت ، وهما الوارثان الأحقان بالشهادة أو اليمين لقربهما واطلاعهما . أما مفعول { اسْتَحَقَّ } فهو محذوف ، وتقديره : تجريدهما للشهادة ليظهرا بها كذب الكاذبين . وقيل : الوصية . وقيل : مال الورثة وتركتهم .

قوله : { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا } يقسمان معطوف على { يَقُومَانِ } والمراد بالشهادة هنا اليمين . وهو قول ابن عباس وآخرين كثير : والمعنى : أن يحلف الآخران اللذان قاما مقام الشاهدين الآثمين . على أن يميننا أحق من يمينهما الكاذبة لما ظهر من استحقاقهما للإثم { وَمَا اعْتَدَيْنَا } أي ما تجاوزنا القول الصدق ولا الشهادة بالحق . ولئن تجاوزنا أو فرطنا في شهادتنا أو يميننا { إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ } أي الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم بوضع الباطل موضع الحق فعرضوا أنفسهم لسخط الله وعذابه .


[1102]:- البيان لابن الأنباري ج1 ص309.