ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته ، وكان ختامها العلم بالظالم وغيره ، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك ، وهو علم مفاتح الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها ، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من فتحها ، ولا يفتحها إلا من حاز مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها ، فإثبات ذلك في هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الاعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل منها ، فقال عاطفاً على معنى ما سبق ، وهو : فعنده خاصة{[29842]} جميع ذلك : { وعنده } أي وحده { مفاتح الغيب } أي{[29843]} التي{[29844]} لا يدرك الغيب إلا من علمها .
ولما كان معنى ذلك الاختصاص ، صرح به في قوله : { لا يعلمها إلا هو } وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته من أن التقييد فيها{[29845]} ب " لكم " يفهم أنه يجوز أن نقول{[29846]} ذلك للمؤمنين . {[29847]}
ولما ذكر علم الغيب ، أتبعه علم الشهادة ، لأن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم{[29848]} بها على سبيل التمام إلا للكُمَّل من الأنام الذين{[29849]} تجردوا فتعودوا{[29850]} استحضار المعقولات المجردة ، والقرآن إنما أنزل لنفع{[29851]} جميع الخلق : الذكي منهم والغبي{[29852]} ، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية العقلية الكلية معيناً على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب ، فقال مؤكداً لهذا المعقول الكلي المجرد بمثال{[29853]} داخل تحته{[29854]} يجري مجرى المحسوس ، وعطفُه بالواو عطفَ الخاص على العام إشارة إلى تعظيمه فقال : { ويعلم ما في البر } وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان{[29855]} والنبات{[29856]} والنجم{[29857]} وذي الساق والمعادن { والبحر } وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن عجائبها أكثر ، وطولها وعرضها أعظم ، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب ، فكان هذا الأمر المحسوس مقوياً لعظمة ذلك الأمر المعقول .
ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل : خص المنتقل تنصيصاً على الجزئيات وتعظيماً للعلم بتعظيم المعلومات فقال : { وما تسقط } وأغرق في النفي بقوله : { من ورقة } ونكرها إتماماً للتعميم { إلا يعلمها } ولما كان هذا مع عظمه ظاهراً ، ذكر ما هو أدق منه فقال : { ولا } أي وما{[29858]} من { حبة } ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيهاً على ما أودع هذا الآدمي المكوّن منها من الغرائب بقوله : { في ظلمات الأرض } أي ولو كان في أقصى بطنها ، فكيف بماهو في النور وهو أكبر{[29859]} من الحبة .
ولما خص ، رجع إلى التعميم رداً للآخر على الأول فقال : { ولا رطب ولا يابس } أي وجد أو لم يوجد أو{[29860]} سيوجد { إلا في كتاب مبين * } أي موضح لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه{[29861]} ، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات ، ومن اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصاً بصنع جميع المصنوعات وقادراً على جميع المقدورات .
قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين } .
المفاتح جمع مفتح بكسر الميم . وهو المفتاح . والمراد بالمفاتح : المفاتيح . والمفتاح عبارة عن كل ما يحل غلقا سواء كان محسوسا كالقفل ، أو معقولا كالنظر . والمفاتح في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب ، أي أنه جعل للغيب مفاتح على سبيل الاستعارة ، لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن الموثوقة الإغلاق . والعالم بتلك المفاتيح يمكنه التوصل بها إلى ما في الخزائن . وكذلك الله سبحانه هنا لما كان عالما بجميع المعلومات والمغيبات عبر عن ذلك بقوله : { مفاتح } {[1184]} والمراد بالغيب ما غاب علمه عن الناس مما هو خفي ومستور ولا يعلمه إلا الله . وهو سبحانه العالم بالمغيبات من مجاهيل الأمور والحقائق والمخلوقات . وهو المكتشف المطلع على الأسرار والخفايا مما يستكن في بواطن الغيب والأشياء . الله تعالى عليم بذلك كله ، لا يند عن علمه وإحاطته وقدرته شيء صغيرا أو كبيرا ، ظاهرا أو مستورا . سواء كان في السماء أو الأرض . أو في أي مكان من بقاع هذا الكون الهائل . إن الله علام الغيوب لا يفوته ولا يعجزه خبر أو معلوم في أرجاء العالمين وفي ضمائر الأزمان جميعا .
إن هذه الحقائق الضخمة عن علم الله المطلق لهو مما يقتضيه قوله سبحانه : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } .
قوله : { ويعلم ما في البر والبحر } أي يعلم ما فيهما من الموجودات على كثرتها واختلاف أجناسها وأنواعها . فهو يعلم ما في البر الواسع من النبات والحب والنوى . وما يستكن في جوف الأرض من أصناف وألوان ومركبات ومذخورات . وكذلك يعلم ما في البر الهادر الزاخر من الدواب والأحياء والأرزاق .
قوله : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين } ذلك مما يرد في تفصيل الحقيقة الكبرى ، وهي علم الله بكل ماهو مخبوء في بطن الغيب . ومن جملة ذلك أنه ما من ورقة تسقط في الصحارى أو البراري ، ولا في الأمصار أو القرى أو الجبال أو السهول والبوادي إلا يعلمها الله . إذ يعلم أين سقطت ومتى كان سقوطها وكيف كان ذلك . وأوراق الأشجار والنبات كاثرة وزاخرة لا يعلم عدها غير باريها . ولا يدري أحد كيف تسقط الأوراق فرادى ومجتمعة . فإما أن يأتي عليها والموات في الخريف الواجم فتبرح أغصان النبات ساقطة على الأرض لتصبح بعد ذلك في جملة الهشيم الذي تذروه الرياح . أو أنها تصفق باشتداد وحماسة إذا ضربتها الرياح السافية بتيارها العاصف المنداح لتخر على الأرض ساقطة مفارقة . ومثل هاتيك الأخبار عن أشياء العالمين لا يدري بها إلا الله .
وكذلك ما يكون من حبة مطمورة مغمورة في باطن من بطون الأرض بكل أغوارها وطباقها ومجاهيلها الموغلة في الغيب – سواء في ذلك كله الرطب واليابس ، إلا هو مسطور في { كتب مبين } وهو علم الله . أو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه علم الأولين والآخرين ، سواء فيه الأعمار والأرزاق والأشياء وكل ما حواه الوجود من أخبار فإنه مسطور في الكتاب المبين{[1185]} .
ومما هو حقيق بالتنبيه أن الإنسان يهيم في عالم حافل بالمغيبات ، لا يدري منها شيئا . ومن جملة ذلك ما ينتظره من حوادث ووقائع وأشياء مما لا يعلم به قبل وقوعه . حتى إنه لا يعلم ما هو حائق به في مستقبله القريب الداني . وكذلك لا يعلم الإنسان عن مصيره المحتوم وهو داهية الموت . فمتى يحين هذا يحين هذا الأجل القاهر فتنتهي السالفة ليفضي المرء بعد ذلك إلى التراب . لا يعلم الإنسان عن الأوان الذي تحين فيه ساعة الفراق ولا الكيفية التي ينتهي فيها الأجل المنتظر وكذلك لا يدري الإنسان شيئا عن خبر الساعة . وهذه هي الداهية الكبرى . بل إنها الطامة التي تهون دونها كل الفوارق والدواهي . وهي مما استأثر به في علم الغيب عنده مما لا يعلمه الإنسان . إلى غير ذلك من صور الغيب المجهول الذي لا يعمله إلا من عنده مفاتح الغيب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.