نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ} (36)

ولما أخبر سبحانه عن أحوال الكفار في الأعمال البدنية ، وكان غلبهم مع كثرتهم وقوتهم مستبعداً ، أخبر بما يقربه مبيناً لأعمالهم المالية فقال : { إن الذين كفروا } أي مع كثرتهم لأنهم{[34961]} ستروا مرائي عقولهم التي هي الإنسان بالحقيقة فنقصوا بذلك نقصاً لا يدرك كنهه { ينفقون أموالهم } أي يعزمون على إنفاقها فيما يأتي { ليصدوا } أي بزعمهم أنفسهم وغيرهم { عن سبيل الله } أي عن سلوك طريق -{[34962]} الذي لا يداني عظمته عظمة مع اتساعه ووضوحه وسهولته { فسينفقونها } أي بحكم قاهر لهم لا يقدرون على الانفكاك عنه { ثم تكون } أي بعد إنفاقها بمدة ، وعبر بعبارة{[34963]} ظاهرة في مضرتها فقال : { عليهم } وأبلغ في ذلك بأن أوقع{[34964]} عليها المصدر فقال : { حسرة } أي لضياعها وعدم تأثيرها { ثم يغلبون* } أي كما{[34965]} اتفق لهم في بدر سواء ، فإنهم أنفقوا مع الكثرة والقوة ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئاً مما أراد الله بهم ، بل كان{[34966]} وبالاً عليهم ، فإنه كان سبباً لجرأتهم حتى أقدموا نظراً إلى الحاضر وقصوراً عن الغائب كالبهائم فهلكوا ، وكان ذلك قوة للمؤمنين فما كان في الحقيقة إلا لهم ، وهذا الكلام منطبق على ما كان سبب نزوله الآية وعلى كل ما شاكله ، وذلك أنهم لما قهروا في بدر قال لهم أبو سفيان : إنه ينبغي أن تنفقوا مال تلك العير - يعني التي كانت معه - ونحث على حرب محمد ، فأجابوا وأنفقوه على غزوة أحد فحصل لهم فيها بعض ظفر ثم تعقبه الحسرة{[34967]} والمغلوبية في بدر الموعد وكل ما بعدها ؛ ثم أظهر وصفهم الذي استحقوا به ذلك تعليقاً للحكم به وتعميماً منذراً لهم بما هو أشد من ذلك فقال : { والذين كفروا } أي حكم بدوام كفرهم عامة سواء زادوا على الكفر فعل ما تقدم أم لا { إلى جهنم } أي لا إلى غيرها .

ولما كان المنكى هو الحشر ، لا كونه من معين ، بني للمفعول قوله : { يحشرون* } أي بعد الموت فهم في خزي دائم دنيا وأخرى ، ويجوز أن يتجوز بجهنم عن أسبابها فيكون المعنى أنهم يستدرجون بمباشرة أسبابها إليها ويحملون في الدنيا عليها ، وهذه الآيات - مع كونها معلمة بما لهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من أن آخر أمرهم في الدنيا الغلب كما كشف عنه الزمان علماً من أعلام النبوة وفي الآخرة جهنم - هي مبينة لكذبهم في قولهم{ لو نشاء لقلنا مثل هذا }[ الأنفال : 31 ] فإنهم لو كانوا صادقين في دعواهم لقالوا مثله ثم قالوا : لو كان هذا هو الحق لا غيره لما قلنا مثله ، موضع قولهم

{ إن كان هذا هو الحق }[ الأنفال : 32 ] إلى آخره ، وأما آية المكاء والتصدية فكأنها{[34968]} تقول : هذا القرآن في أعلى درج البلاغة ولم تؤهلوا أنتم - مع ادعائكم السبق في البلاغة - لأن تعارضوا بشيء له أهلية لشيء من البلاغة ، بل نزلتم إلى أصوات الحيوانات العجم حقيقة ، فلا أجلى من هذا البيان على ما ادعيتم من الزور والبهتان ، وأما آية الإنفاق فقائلة : لو قدرتم في معارضته على إنفاق الأقوال لما عدلتم عنه إلى إنفاق الأموال المفضي إلى مقاساة الأهوال وفساد الأشباح ونفوق ما حوت من الأرواح المؤدي إلى الذل السرمد بالعذاب المؤبد .


[34961]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[34962]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[34963]:من ظ، وفي الأصل: عبارة.
[34964]:في الأصل: واقع، وفي ظ: وقع ـ كذا.
[34965]:سقط من ظ.
[34966]:من ظ، وفي الأصل: كانوا.
[34967]:في ظ: الحسر.
[34968]:في ظ: فكأنه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ} (36)

قوله تعالى : { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون 36 ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون } .

ذلك نذير من الله للكافرين الذين يجمعون الأموال الطائلة الكاثرة لإنفاقها في سبيل الشيطان من اجل الصد عن دين الله ، ولحمل الناس على الشرود والنفور من دعوة الحق . إن ذلك لهو ديدن الكافرين في كل زمان . أولئك الحاقدون الماكرون المتربون الذين دأبهم الخيانة والتآمر في الظلام ، فهم قليلا ما يهجعون أو يغفلون عن الكيد للإسلام وأهله . لقد شغلهم الحقد وكراهيتهم لهذا الدين العظيم . ومن أجل ذلك فقد تنادوا لجمع أموالهم كيما تصرف في وجوه الشر والعدوان والتنكيل بالمسلمين وإبادة الإسلام كله لكي يستحيل إلى أثر بعد عين .

ذلك هو شأن الكافرين في كل زمان ؛ فهم في عهد النبوة ، من الطور الأول من أطوار الإسلام قد تنادوا لجمع أموالهم كيما تنفق فيما يتهدد الإسلام والمسلمين بالإبادة والزوال . ثم ما لبث الكافرون والظالمون المتربصون –على مر الزمن- يتواصون فيما بينهم على ضرب الإسلام وتدميره واستئصاله أو إضعافه وتشويهه والتحريض على كراهيته ومجانبته البتة . وهم في ذلك ينفقون المقادير الهائلة من الأموال لتحقيق هذه الغاية الخبيثة الظالمة .

وفي زمننا العجيب هذا ، زماننا المحفل بالويلات والملمات والنكبات والخيانات تلتئم قوى الشر والباطل والعدوان من مختلف الملل والمذاهب والنحل وهي تأتمر بالإسلام لنسفه من القواعد نسفا ، أو لتحويله إلى دين ممزق مصطنع أشتات من المواعظ الفاترة الباهتة ، ويأمرون بالمسلمين لإضعافهم وتمزيقهم وكسر شوكتهم ليكونوا أشباحا من الأناسي المتهافت المضطرب . الأناسي الذين ينسلخون عن دينهم انسلاخا ليرضوا بدلا منه بالتبعية للطغاة والظالمين . التبعية في كل مناحي الفكر والثقافة والتصور والسلوك للمتربصين الماكرين من استعماريين وصليبيين ووثنيين وملحدين وماسونيين وصهيونيين وغيرهم . أولئك الذين ما فتئوا على الدوام ينفقون الأموال الكبيرة من أجل هذه الغاية .

قوله : { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقهم حسرة عليهم ؛ أي ندامة لما بذلوه من جهود مضنية . وما قدموه من أموال كاثرة لا تحصى . ثم بعد ذلك كله لسوف تبوء أساليبهم وخططهم بالخزي والفشل . وذلك على الرغم مما يصيب المسلمين في كثير من الأحيان من تقهقر وما يصيب الإسلام كذلك من انحسار وتشويه وإساءة . لكن كل هذه الحيل والمؤامرات لسوف تفضي إلى التبدد والانكشاف والاضمحلال بعد أن يأذن الله بالنصر لعباده المؤمنين الصابرين . وحينئذ يفرح المؤمنون بنصر اله ورحمته وتوفيقه ، ويرتد سهم التآمر والخيانة إلى نحور المجرمين الظالمين فيبؤوا بالهزيمة والخذلان والعار .

قوله : { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } هذه عاقبة الكافرين الذين يكيدون للإسلام والمسلمين ، فيبيتون لهم المؤامرات والخيانات والمكائد والدسائس من اجل إضعافهم أو القضاء عليهم ، فعاقبتهم الخسران والخزي والبوار ، سواء في هذه الدنيا التي تكتب الله فيه النصر للمؤمنين المخلصين ، أو في الآخرة ؛ إذ يحشر هؤلاء المجرمون إلى جهنم وبئس المصير .