محاسن التأويل للقاسمي - القاسمي  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ} (36)

36 { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } .

{ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } نزلت فيمن ينفق على حرب النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين ، وبيان سوء مغبة هذا الإنفاق وقد ذهب الضحاك إلى أنه عنى بها المطعمون منهم يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش يطعم كل واحد منهم كل يوم عشرة جزر .

وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في ( أحد ) لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروى{[4368]} محمد بن إسحاق عن الزهري أنه لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلّهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بِعِيرِهِ ، مشى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر ، فكلموا أبا سفيان ، ومن كانت له في تلك العير تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم ، وقتل خياركم ، فأعينوا بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا ، ففعلوا . قال : ففيهم ، كما ذكر عن ابن عباس ، أنزلت الآية .

ولا يخفى شمول الآية لجميع ذلك ، واللام في { ليصدوا } لام الصيرورة ويصح أن تكون للتعليل ، لأن غرضهم الصد عما هو سبيل الله بحسب الواقع ، وإن لم يكن كذلك في اعتقادهم . وسبيل الله طريقه وهو دينه ، واتباع رسوله . ولما تضمن الموصول معنى الشرط ، والخبر بمنزلة الجزاء ، وهو { فسينفقونها } اقترن بالفاء . { وينفقون } إما حال أو بدل من { كفروا } وفي تضمن الجزاء من معنى الإعلام والإخبار ، التوبيخ على الإنفاق ، والإنكار عليه ، كما في قوله : { وما بكم من نعمة فمن الله } {[4369]} . وفي تكرير الإنفاق في شبه الشرط والجزاء ، الدلالة على كمال سوء الإنفاق ، كما في قوله {[4370]} : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } وقولهم{[4371]} : من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى . والمعنى : الذين ينفقون أموالهم لإطفاء نور الله ، والصد عن اتباع رسوله الله صلى الله عليه وسلم ، سيعلمون عن قريب سوءغبة ذلك الإنفاق ، وانقلابه إلى أشد الخسران ، من القتل والأسر في الدنيا ، والنكال في العقبى : قال المتنبي :

إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى*** فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا

( والأذى هنا المن ) .

وفي جعل ذات الأموال تصير ( حسرة ) أي ندما وتأسفا- وهي عاقبة أمرها – مبالغة . والمراد بالغلبة في قوله : { ثم يغلبون } الغلبة التي استقر عليها الأمر ، وإن كانت الحرب بينهم سجالا قبل ذلك . فإن قلت : غلبة المسلمين متقدمة على تحسرهم ، بالزمان ، فلم أخرت بالذكر ؟ قلت : المراد أنهم يغلبون في مواطن أخر بعد ذلك كذا في ( العناية ) .

تنبيه :

قال بعضهم ثمرة الآية خطر المعاونة على معصية الله تعالى ، وأن الإنفاق في ذلك معصية ، فيدخل في هذا معاونة الظلمة على حركاتهم في البغي والظلم ، وكذلك بيع السلاح والكراع ، ممن يستعين بذلك على حرب المسلمين .

{ والذين كفروا إلى جهنم يحشرون }


[4368]:انظر سيرة ابن هشام صفحة 555 و 556 (طبعة جوتنجن) وصفحة 64 وما بعدها من الجزء الثالث (طبعة الحلبي).
[4369]:16 / النحل / 53.
[4370]:3 / آل عمران / 192.
[4371]:الصمان : أرض فيها غلظ وارتفاع وفيها قيعان واسعة ورياض معشبة. وإذا أخصبت رتعت العرب جميعها.