نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ} (58)

ولما كان المعنى - كما تقدم : فجعل إليه{[41997]} خزائن الأرض ، فجاءت السنون المخصبة ، فدبرها بما علمه الله ، ثم جاءت السنون المجدبة{[41998]} فأجدبت{[41999]} جميع أرض مصر وما والاها{[42000]} من بلاد الشام وغيرها ، فأخرج ما كان ادخره{[42001]} من غلال سبع سنين بالتدريج أولاً فأولاً - كما حد له { العليم الحكيم } فتسامع به الناس فجاؤوا للامتيار منه من كل أوب { وجاء إخوة يوسف } العشرة لذلك ، وخلف أبوهم بنيامين أخا يوسف عليه السلام لأمه عنده ، ودل على تسهيله إذنهم بالفاء فقال{[42002]} : { فدخلوا عليه } أي لأنه كان يباشر الأمور بنفسه كما هو فعل الكفاة الحزمة ، لا يثق فيه بغيره { فعرفهم } لأنه كان مرتقباً لحضورهم لعلمه بجدب{[42003]} بلادهم وعقد همته بهم . مع كونه يعرف هيئاتهم في لباسهم وغيره{[42004]} ، ولم يتغير عليه{[42005]} كبير من حالهم . لمفارقته إياهم رجالاً { وهم له منكرون * } ثابت إنكارهم عريق{[42006]} فيهم وصفهم به ، لعدم خطوره ببالهم لطول العهد{[42007]} ، مع ما تغير عليهم من هيئته بالسن وانضاف إليه من الحشم{[42008]} والخدم واللباس وهيئة البلد وهيبة{[42009]} الملك وعز السلطان ، وغير ذلك مما ينكر معه المعروف ، ويستوحش لأجله من المألوف ، وفق ما قال تعالى { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون{[42010]} }[ يوسف :15 ]

والدخول : الانتقال إلى محيط .

والمعرفة : تبين{[42011]} الشيء بالقلب بما لو شوهد{[42012]} لفرق بينه وبين غيره مما ليس على خاص صفته .


[41997]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: الله.
[41998]:من م ومد، وفي الأصل: الجدبة، وفي ظ: المجذبة- كذا.
[41999]:في ظ: فاجذبت.
[42000]:في ظ: ولاها.
[42001]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: ادخر.
[42002]:زيد من ظ و م ومد.
[42003]:في ظ: بجذب.
[42004]:زيد من م ومد.
[42005]:زيد من م ومد.
[42006]:في ظ ومد: غريق.
[42007]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: عهدهم.
[42008]:في ظ: الشحم.
[42009]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: هيئة.
[42010]:آية 15.
[42011]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تبيين.
[42012]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: شهد.
 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ} (58)

وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون

ودخلت سنو القحط وأصاب أرض كنعان والشام { وجاء إخوة يوسف } إلا بنيامين ليمتاروا لما بلغهم أن عزيز مصر يعطي الطعام بثمنه { فدخلوا عليه فعرفهم } أنهم إخوته { وهم له منكرون } لا يعرفونه لبعد عهدهم به وظنهم هلاكه فكلموه بالعبرانية فقال كالمنكر عليهم : ما أقدمكم بلادي ؟ فقالوا : للميرة ، فقال : لعلكم عيون ، قالوا : معاذ الله ، قال : فمن أين أنتم ، قالوا : من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي الله ، قال : وله أولاد غيركم ، قالوا : نعم ، كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البرية وكان أحبنا إليه وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلى به عنه ، فأمر بإنزالهم وإكرامهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ} (58)

قوله تعالى : { وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ 58 وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ 59 فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ 60 قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ 61 وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } بعد أن عم القحط بلاد مصر ووصل إلى بلاد كنعان حيث يقيم يعقوب عليه السلام وبنوه أخذ الناس من كل مكان يردون مصر طلبا للميرة . وكان يوسف عليه السلام قد احتاط للناس في غلاتهم فجمعها أحسن جمع ، فكان عليه السلام رحمة من الله على مصر بما أوتيه من سعة العقل والعلم ، وجمال السلوك والخلق ، وتمام السمت والمظهر ، وكمال التواضع والأمانة ؛ فأحبه الناس حبا عظيما ، وشاع ذكره في الآفاق لحسن خلقه ، وعظيم تدبيره وأمانته وإخلاصه . وكان في جملة من ورد مصر للميرة إخوة يوسف ؛ إذ أمرهم أبوهم بذلك . لا جرم أن كل شيء من الله بتقديره وتدبيره . فما تسير الأمور أو تمضي عجلة الزمان إلا بمشيئة الله وحكمته وعظيم تدبيره .

ومن جملة قصة يوسف بدءا بإلقائه في الجب حتى صار في قمة العلياء والكرامة والإعزاز وما تخلل ذلك من كيد وأحزان ودموع وبلاء ، كل ذلك بتقدير الله وحكمته ومشيئته .

أخذ إخوة يوسف معهم بضاعة ليعتاضوا بها طعاما وكانوا عشرة نفر . واستبقى أبوهم يعقوب أخاهم الصغير عنده ، وهو بنيامين شقيق يوسف ، وكان أحبهم إلى أبيه بعد يوسف { فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } أي عرفهم يوسف بنباهته وعظيم فطانته من حيث لا يعرفونه هم . ولا عجب في ذلك فقد فارقهم يوسف وهو طفل في الثانية عشرة على الراجح ، واستمر غيابه عنهم أربعين سنة . وعقب هذه المدة الطويلة تتغير في الشخص ملامحه الظاهرة . فبعد أن يكون أمرد الوجه يصير ذا شعر ولحية ، وبعد سواد الشعر في رأسه ووجهه يصبح بعد هذه السنين ذا كبر وشيبة . لا جرم أن ينكره من غاب عنه مثل هذه المدة الطويلة .