نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} (71)

ولما كانت النار سبباً لعنصر ما فيه الماء فيتحلب فيتقاطر كما كان الماء سبباً لتشقيق الأرض بالزرع ، ولم يكن لمخلوق قدرة على التوصل بنوع سبب ، أتبعه بها كما أتبع الزرع بالماء لذلك ولبيان القدرة على ما لا سبب فيه لمخلوق في السفل كما كان إنزال الماء عرياً عن سنتهم في العلو ، فقال مسبباً عما مضى تنبيهاً على أنه أهلهم للتأمل في مصنوعاته والتبصر في عجائب آياته فقال : { أفرءيتم } أي أخبروني هل رأيتم بالأبصار والبصائر ما تقدم فرأيتم { النار } ولما كان المراد ناراً مخصوصة توقفهم{[62206]} على تمام قدرته وتكشف لهم ذلك كشفاً بيناً بإيجاد الأشياء من أضدادها فقال : { التي تورون * } أي تستخرجون من الزند فتوقدون به سواء كان الزند يابساً أو أخضر بعد أن كانت خفية فيه لا يظن من لم يجرب ذلك أن فيه ناراً أصلاً ، فكان ذلك مثل التورية التي يظهر فيها شيء ويراد غيره ، ثم صار بعد ذلك الخفاء{[62207]} إلى ظهور عظيم وسلطة متزايدة وعظمة ظاهرة{[62208]} تحرق كل ما لا بسها حتى ما خرجت منه ، والعرب أعرف الناس بأمر الزند ، وذلك أنهم يقطعون غصناً من شجر المرخ وآخر من العفار ، ويحكون أحدهما على الآخر فتتقدح منها النار على أن النار في كل شجر ، وإنما خص المرخ والعفار لسهولة القدح منهما ، وقد قالوا : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار .


[62206]:- من ظ، وفي الأصل: توقفتم.
[62207]:- من ظ، وفي الأصل: الإخفاء.
[62208]:-في ظ: باهرة.