الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (84)

قوله تعالى : { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ } : " ما " استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء ، و " لنا " جارٌّ ومجرورٌ خبرُه ، تقديرُه : أيُّ شيء استقر لنا ، و " لا نؤمن " جملة حالية . وقد تقدَّم نظيرُ هذه الآية والكلامُ عليها ، وأنَّ بعضَهم قال : إنها حال لازمة لا يتمُّ المعنى إلا بها نحو : { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] ، وتقدَّم ما قلتُه فيه فأغنى ذلك عن إعادتِه . وقال الشيخ هنا : " وهي المقصودُ وفي ذكرِها فائدةُ الكلام ، وذلك كما تقول : " جاء زيدٌ راكباً " لِمَنْ قال : هل جاء زيدٌ ماشياً أو راكباً ؟ .

قوله : { وَمَا جَآءَنَا } في محلِّ " ما " وجهان ، أحدهما : أنه مجرور نسقاً على الجلالة أي : بالله وبما جاءَنا ، وعلى هذا فقوله : " من الحق " فيه احتملان ، أحدُهما : أنه حالٌ من فاعل " جاءنا " أي : جاء في حال كونِه من جنسِ الحقِّ . والاحتمال الآخر : أن تكونَ " مِنْ " لابتداء الغاية ، والمرادُ بالحقِّ الباري تعالى ، وتتعلَّقُ " مِنْ " حينئذ ب " جاءنا " كقولك " جاءَنا فلانُ من عند زيد " ، والثاني : أنَّ محلَّه رفعٌ بالابتداء ، والخبر قوله : { مِنَ الْحَقِّ } والجملةُ في موضع الحال ، كذا قاله أبو البقاء ويصيرُ التقدير : وما لنا لا نؤمِنْ بالله والحالُ أنَّ الذي جاءنا كائنٌ من الحق ، " والحقُّ " يجوز أن يُراد به القرآنُ فإنه حقُّ في نفسه ، ويجوزُ أن يُراد به الباري تعالى - كما تقدَّم - والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تضمَّنه قولُه " لنا " .

قوله : { وَنَطْمَعُ } في هذه الجملة ستة اوجه ، أحدها : أنها منصوبة المحلِّ نسقاً على المحكيِّ بالقَول قبلَها أي : يقولون كذا ويقولون نطمع وهو معنىً حسن . / الثاني : أنها في محلِّ نصب على الحال من الضمير المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً وهو " لنا " لأنه تضمَّنَ الاستقرارَ ، فرفع الضمير وعَمِلَ في الحال ، وإلى هذا ذهبَ أبو القاسم فإنه قال : " والواو في " ونطمعُ " واو الحال ، فإنْ قلت : ما العاملُ في الحال الأولى والثانية ؟ قلت : العاملُ في الأولى ما في اللام من معنى الفعلِ كأنه قيل : أيُّ شيء حَصَل لنا غيرَ مؤمنين ، وفي الثانية معنى هذا الفعل ولكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو أَزَلْتَها وقلت : " ما لنا ونطمعُ " لم يكنْ كلاماً " . وفي هذا الكلامِ نظرٌ وهو قولُه : " لأنَّك لو أَزَلْتَها إلى آخره " لأنَّا إذا أَزَلْناها وأتينا ب " نطمع " لم نأتِ بها مقترنةً بحرفِ العطف ، بل مجردةٌ منه لنحُلَّها محلَّ الأولى ، ألا ترى أنَّ النحويين إذا وضعوا المعطوفَ موضعَ المعطوف عليه وضعوه مجرداً من حرفِ العطف ، ورأيتُ في بعض نسخ الكشاف : " ما لنا نطمعُ " من غير واوٍ مقترنةٍ ب " نطمعُ " ولكن أيضاً لا يَصِحُّ لأنك لو قلت : " ما لنا نطمعُ " كان كلاماً كقوله تعالى :

{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] ، ف " نطمع " واقعٌ موقعَ مفردٍ هو حال ، كما لو قلت : ما لك طامعاً ، وما لنا طامعين . وردَّ الشيخ عليه هذا الوجه بشيئين ، أحدهما : أن العامل لا يقتضي أكثرَ من حالٍ واحدة إذا كان صاحبُه مفرداً دونَ بدل أو عطف إلا أفعلَ التفضيل على الصحيح .

والثاني : أنه يلزم دخولُ الواو على مضارع مثبت . وذلك لا يجوزُ إلا بتأويل تقدير مبتدأ أي : ونحن نطمع .

الثالث : أنها في محل نصبٍ على الحال من فاعل " نؤمن " فتكون الحالان متداخلتين . قال الزمخشري : " ويجوز أن يكون " ونطمع " حالاً من " لا نؤمن " على معنى : أنهم أَنْكروا على أنفسهم انهم لا يوحِّدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين " وهذا فيه ما تقدم من دخول واو الحال على المضارع المثبت ، وأبو البقاء لَمَّا أجاز هذا الوجهَ قَدَّر مبتدأ قبل " نطمع " ، وجعل الجملةَ حالاً من فاعل " نؤمن " ليخلصَ من هذا الإِشكال فقال : " ويجوز أن يكون التقديرُ : " ونحن نطمع " ، فتكون الجملةُ حالاً من فاعل لا نؤمن " الرابع : أنها معطوفةٌ على " لا نؤمن " فتكون في محلِّ نصب على الحال من ذلك الضميرِ المستترِ في " لنا " ، والعاملُ فيها هو العاملُ في الحال قبلها . فإنْ قلت : هذا هو الوجه الثاني المتقدم ، وذكرتَ عن الشيخِ هناك أنه منع مجيء الحالين لذي حال واحدة ، وبأنه يلزمُ دخولُ الواو على المضارع فما الفرق بين هذا وذاك ؟ فالجواب أنَّ الممنوعَ تعدُّدُ الحال دون عاطف ، وهذه الواوُ عاطفةٌ ، وأن المضارعَ إنما يتمنع دُخولُ واوِ الحال عليه وهذه عاطفةٌ لا واوُ حالٍ فحصل الفرقُ بينهما من جهةِ الواو ، حيث كانت في الوجه الثاني واوَ الحال وفي هذا الوجه واوُ عطف ، وهذا وإن كان واضحاً فقد يَخْفى على كثير من المتدربين في الإِعراب ، ولَمَّا حكى أبو القاسم هذا الوجهَ أبدى له معنيين حسنين فقال - رحمه الله - : " وأن يكونَ معطوفاً على " لا نؤمن " على معنى : وما لنا نجمعُ بين التثليث وبين الطمعِ في صحبةِ الصالحين ، أو على معنى : وما لنا لا نجمعُ بينهما بالدخولِ في الإِسلام ، لأنَّ الكافرَ ما ينبغي له أن يطمعَ في صحبة الصالحين " .

الخامس : أنها جملة استئنافية . قال الشيخ : " الأحسنُ والأسهلُ أن يكونَ استئنافَ إخبارٍ منهم بأنهم طامعون في إنعامِ الله عليهم بإدخالهم مع الصالحين ، فالواوُ عاطفةُ هذه الجملةَ على جملة " وما لنا لا نؤمن " قلت : وهذا المعنى هو ومعنى كونها معطوفةً على المَحْكِيِّ بالقول قبلها شيءٌ واحدٌ ، فإن فيه الإِخبارَ عنهم بقولهم كيتَ وكيتَ .

السادس : أن يكون " ونطمعُ " معطوفاً على " نؤمن " أي : وما لنا لا نطمع . قال الشيخ هنا : " ويظرُ لي وجهُ غيرُ ما ذكروه وهو أن يكونَ معطوفاً على " نؤمن " التقدير : وما لنا لا نؤمنُ ولا نطمعُ ، فيكونُ في ذلك إنكارٌ لانتفاء إيمانهم وانتفاءِ طمعهم مع قدرتِهم على تحصيلِ الشيئين : الإِيمانِ والطمعِ في الدخول مع الصالحين " قلت : قوله : " غيرُ ما ذكروه " ليس كما ذكره ، بل ذكر أبو البقاء فقال : " ونطمعُ يجوز أن يكونَ معطوفاً على " نؤمن " أي : وما لنا لا نطمع " ، فقد صَرَّح بعطفه على الفعل المنفي ب " لا " غايةُ ما في الباب أن الشيخَ زاده بسطاً .

والطمع قال الراغب : " هو نزوعُ النفسِ إلى الشيء شهوة له " ثم قال : ولَمَّا كان أكثرُ الطمعِ من جهة الهوى قيل : الطَمَعُ طَبَعٌ والطَمَعُ يدنِّس الإِهابَ " وقال الشيخ : " الطمعُ قريبٌ من الرجاء / يقال منه : طَمِع يطمَعُ طَمَعاً ، قال تعالى :

{ خَوْفاً وَطَمَعاً } [ السجدة : 16 ] وطَماعَة وطماعِيَة كالكراهية ، قال :

. . . . . . . . . . . . . . . . . *** طَماعيةً أَنْ يغفرَ الذنبَ غافرُهْ

فالتشديدُ فيها خطأ ، واسمُ الفاعل منه طَمِع ك " فَرِح " و " أَشِر " ولم يَحْكِ الشيخُ غيرَه ، وحكى الراغب : طَمِعٌ وطامعٌ ، وينبغي أن يكون ذلك باعتبارين كقولِهم " فَرِح " لمن شأنه ذلك ، و " فارح " لمن تجدَّد له فرحٌ .

قوله : { أَن يُدْخِلَنَا } أي : في أن ، فمحلُّها نصب أو جر على ما تقدَّم غيرَ مرة . و " مع " على بابِها من المصاحبة ، وقيل : هي بمعنى " في " ولا حاجةَ إليه لاستقلالِ المعنى مع بقاءِ الكلمةِ على موضوعها .