اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (84)

" مَا " استفهاميَّةٌ في محلِّ رفع بالابتداء ، و " لَنَا " جارٌّ ومجرورٌ خبرهُ ، تقديرُه : أيُّ شيءٍ اسْتَقَرَّ لنا ، و " لا نُؤمِنُ " جملة حالية ، وقد تقدَّم الكلام على نظير هذه الآية ، وأنَّ بعضهم قال : إنها حالٌ لازمةٌ لا يتمُّ المعنى إلا بها ؛ نحو : { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] ، وتقدَّم ما قلتُه فيه ، فأغْنَى ذلك عن إعادته ، وقال أبو حيان{[12446]} هنا : " وهي المقصودُ وفي ذكرهَا فائدةُ الكلامِ ؛ وذلك كما تقول : " جَاء زَيْدٌ رَاكِباً " لِمَنْ قال : هَلْ جَاءَ زَيْدٌ مَاشِياً أو رَاكِباً ؟ " .

فصل

قوله : " وَمَا جَاءَنَا " في محلِّ " مَا " وجهان :

أحدهما : أنه مجرور نسقاً على الجلالة ، أي : بالله وبِمَا جَاءَنَا ، وعلى هذا فقوله : " مِنَ الحَقِّ " فيه احتمالان :

أحدهما : أنه حالٌ من فاعل " جَاءَنَا " ، أي : جاء في حال كونه من جِنْسِ الحقِّ .

والاحتمال الآخر : أن تكونَ " مِنْ " لابتداء الغاية ، والمرادُ بالحقِّ الباري تعالى ، وتتعلَّقُ " مِنْ " حينئذ ب " جَاءَنَا " ؛ كقولك : " جَاءَنَا فلانٌ مِنْ عِنْدِ زَيْدٍ " .

والثاني : أنَّ محلَّه رفعٌ بالابتداء ، والخبر قوله : " مِنَ الحَقِّ " ، والجملةُ في موضع الحال ، كذا قاله أبو البقاء{[12447]} ، ويصيرُ التقدير : وما لَنَا لا نُؤمِنُ بالله ، والحالُ أنَّ الذي جاءنا كَائِنٌ من الحَقِّ ، و " الحقُّ " يجوز أن يُرادَ به القرآنُ ؛ فإنه حقٌّ في نفسه ، ويجوزُ أن يُرادَ به الباري تعالى - كما تقدمَ - والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تَضَمَّنَهُ قولُه " لَنَا " .

قوله : " وَنَطْمَعُ " في هذه الجملة ستَّة أوجه :

أحدها : أنها منصوبة المحلِّ ؛ نسقاً على المحكيِّ بالقول قبلها ، أي : يقولُونَ كذا ويقولون نطمعُ وهو معنًى حسنٌ .

الثاني : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً وهو " لَنَا " ؛ لأنه تضمَّنَ الاستقرارَ ، فرفع الضمير وعملَ في الحال ، وإلى هذا ذهب الزمخشري{[12448]} ؛ فإنه قال : " والواوُ في " ونَطْمَعُ " واوُ الحال ، فإن قلتَ : ما العاملُ في الحال الأولى والثانية ؟ قلتُ : العاملُ في الأولى ما في اللام من معنى الفعلِ ؛ كأنه قيل : أيُّ شيءٍ حَصَل لنا غَيْرَ مؤمِنينَ ، وفي الثانية معنى هذا الفعل ، ولكن مقيَّداً بالحال الأولى ؛ لأنك لو أزَلْتَها ، وقلت : " مَا لَنَا وَنَطْمَعُ " ، لم يكنْ كلاماً " . قال شهاب الدين{[12449]} : وفي هذا الكلام نظرٌ ، وهو قولُه : " لأنَّكَ لَوْ أزَلْتَه . . . إلى آخره " ؛ لأنَّا إذا أزَلْنَاها وأتَيْنَا ب " نَطْمَعُ " ، لم نأتِ بها مقترنةً بحرفِ العطف ، بل مجرَّدة منه ؛ لنحلَّها محلَّ الأولى ؛ ألا ترى أنَّ النحويين إذا وضَعُوا المعطوفَ موضعَ المعطُوف عليه ، وضعوه مجرَّداً من حرفِ العطف ، ورأيتُ في بعض نسخ الكشَّافِ : " مَا لَنَا نَطْمَعُ " من غير واوٍ مقترنةٍ ب " نَطْمَعُ " ولكن أيضاً لا يَصِحُّ ؛ لأنك لو قلت : " مَا لَنَا نَطْمَعُ " كان كلاماً ؛ كقوله تعالى : { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] ، ف " نَطْمَعُ " واقعٌ موقعَ مفردٍ هو حال ، كما لو قلت : مَا لَكَ طَامِعاً ، وما لَنَا طَامِعِين ، وردَّ عليه أبو حيان{[12450]} هذا الوجه بشيئينِ : أحدهما : أن العامل لا يقتضي أكثر من حالٍ واحدة ، إذا كان صاحبُه مفرداً دون بدل أو عطف ، إلا أفعل التفضيل على الصَّحيح .

والثاني : أنه يلزم دخولُ الواو على مضارعٍ مُثْبَتٍ . وذلك لا يجُوز إلا بتأويل تقدير مبتدأ ، أي : ونحْنُ نَطْمَعُ .

الثالث : أنها في محل نصبٍ على الحال من فاعل " نُؤمِنُ " ، فتكون الحالان متداخلَتَيْنِ ، قال الزمخشريُّ{[12451]} : " ويجوز أن يكون " ونَطْمعُ " حالاً من " لا نُؤمِنُ " على معنى : أنهم أنْكَرُوا على أنفسهم ؛ أنهم لا يوحِّدون الله ، ويطمعُون مع ذلك أن يَصْحَبُوا الصالحين " ، وهذا فيه ما تقدَّم من دخول واو الحال على المضارع المثْبَت ، وأبو البقاء{[12452]} لمَّا أجاز هذا الوجْهَ ، قدَّر مبتدأ قبل " نَطْمَعُ " ، وجعل الجملةَ حالاً من فاعل " نُؤمِنُ " ؛ ليخلصَ من هذا الإشكال ؛ فقال : ويجوزُ أن يكون التقديرُ : " ونَحْنُ نَطْمَعُ " ، فتكون الجملةُ حالاً من فاعل " لا نُؤمِنُ " .

الرابع : أنها معطوفةٌ على " لا نُؤمِنُ " ، فتكون في محلِّ نصبٍ على الحال من ذلك الضمير المستترِ في " لَنَا " ، والعاملُ فيها هو العاملُ في الحال قبلها .

فصل

فإن قيل : هذا هو الوجه الثاني المتقدِّم ، وذكرت عن أبي حيان هناك ؛ أنه منع مجيء الحالين لِذِي حالٍ واحدةٍ ، وبأنه يلزمُ دخولُ الواو على المضارع ، فما الفرقُ بين هذا وذاك ؟ فالجوابُ : أنَّ الممنوع تعدُّدُ الحالِ دُونَ عاطف ، وهذه الواوُ عاطفةٌ ، وأنَّ المضارع إنما يمتنعُ دخولُ واوِ الحال عليه ، وهذه عاطفةٌ لا واوُ حالٍ ؛ فحَصَلَ الفرقُ بينهما من جهة الواو ؛ حيثُ كانت في الوجه الثاني واوَ الحال ، وفي هذا الوجه واو عطف ، ولَمَّا حكى الزمخشريُّ هذا الوجه ، أبدى له معنيين حسنين ؛ فقال{[12453]} - رحمه الله - : " وأن يكون معطوفاً على " لا نُؤمِنُ " على معنى : وما لنا نَجْمَعُ بَيْنَ التثْليثِ وبين الطَّمَع في صُحْبَةِ الصَّالحينَ ، أو على معنى : ومَا لَنَا لا نَجْمَعُ بينهما بالدُّخُولِ في الإسلام ؛ لأنَّ الكَافِرَ ما ينبغي له أن يطمعَ في صُحْبَة الصَّالحِينَ " .

الخامس : أنها جملة استئنافية ، قال أبو حيان{[12454]} : الأحسنُ والأسهلُ : أن يكون استئناف إخبارٍ منهم ؛ بأنهم طامعون في إنعام الله عليهم ؛ بإدخالهم مع الصالحينَ ، فالواوُ عاطفةٌ هذه الجملة على جملة { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ } ، قال شهاب الدين{[12455]} : وهذا المعنى هو ومعنى كونها معطوفةً على المَحْكيِّ بالقول قبلها - شيءٌ واحدٌ - فإن [ فيه ] الإخبار عنهُمْ بقولهم كَيْتَ وكَيْتَ .

السادس : أن يكون " وَنَطْمَعُ " معطوفاً على " نُؤمِنُ " ، أي : وما لنا لا نَطْمَعُ ، قال أبو حيان{[12456]} هنا : " ويظهر لي وجهٌ غيرُ ما ذكرُوه ، وهو أن يكون معطوفاً على " نُؤمِنُ " ، التقديرُ : وما لَنَا لا نُؤمِنُ ولا نَطْمَعُ ، فيكونُ في ذلك إنكارٌ لانتفاءِ إيمانهمْ وانتفاءِ طمعهِمْ مع قدرتهم على تحصيل الشيئين : الإيمان والطَّمعِ في الدخول مع الصالحين " ، قال شهاب الدين{[12457]} : قوله : " غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ " ليس كما ذَكَرَهُ ، بل ذكر أبو البقاء{[12458]} فقال : " ونَطْمَعُ " يجُوزُ أن يكون معطوفاً على " نُؤمِنُ " ، أي : " وما لَنَا لا نَطْمَعُ " ، فقد صرَّحَ بعطفه على الفعل المنفيِّ ب " لاَ " ، غايةُ ما في الباب أن الشيخَ زاده بَسْطاً .

والطَّمَعُ قال الراغب{[12459]} : " هو نزوعُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ شَهْوَةً له " ، ثم قال : " ولَمَّا كَانَ أكْثَرُ الطَّمَعِ من جهةِ الهوى ، قيل : الطَمَعُ طَبعٌ والطمعُ يدنِّسُ الإهَابَ " ، وقال أبو حيان{[12460]} : " الطمعُ قَرِيبٌ من الرَّجَاءِ يقال منه طَمِعَ يَطْمَعُ طَمعاً " ؛ قال تعالى : { خَوْفاً وَطَمَعاً } [ السجدة : 16 ] وطماعةً وطماعيةً كالكراهِيَة ؛ قال : [ الطويل ]

. . . *** طَمَاعِيَةً أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غَافِرُهْ{[12461]}

فالتشديدُ فيها خطأٌ ، واسمُ الفاعِلِ منه طَمِعٌ ك " فَرِحٍ " و " أشرٍ " ، ولم يَحْكِ أبو حيان غيرَه ، وحكى الراغب{[12462]} : طَمِعٌ وطَامِعٌ ، وينبغي أن يكون ذلك باعتبارين ؛ كقولهم " فَرِحٌ " لمن شأنه ذلك ، و " فَارِحٌ " لمن تجدَّد له فَرَحٌ .

قوله : " أنْ يُدْخِلَنَا " ، أي : " في أنْ " فمحلُّها نصبٌ أو جرٌّ ؛ على ما تقدَّم غير مرة . و " مَعَ " على بابها من المصاحبة ، وقيل : هي بمعنى " في " ولا حاجة إليه ؛ لاستقلال المعنى مع بقاءِ الكلمة على موضوعها .

فصل

قال المُفَسِّرُون{[12463]} - [ رحمهم الله ] - إنَّ اليَهُودَ عَيَّرُوهم ، وقالُوا لَهُمْ : لِمَ آمَنْتُم ؟ فأجابُوهُم بِهَذا .

والمراد : يدْخِلُنَا ربُّنَا مع القَوم الصَّالحِيِنَ جَنَّتَهُ ، ودارَ رِضوانه قال - تعالى - :

{ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ } [ الحج : 59 ] ، إلا أنه حَسُنَ الحَذْف لِكَوْنه مَعْلُوماً .


[12446]:ينظر: البحر المحيط 4/8.
[12447]:ينظر: الإملاء 1/224.
[12448]:ينظر: الكشاف 1/670.
[12449]:ينظر: الدر المصون 2/596.
[12450]:ينظر: البحر المحيط 4/9.
[12451]:ينظر: الكشاف 1/670.
[12452]:ينظر: الإملاء 1/224.
[12453]:ينظر: الكشاف 1/670.
[12454]:ينظر: البحر المحيط 4/8.
[12455]:ينظر: الدر المصون 2/597.
[12456]:ينظر: البحر المحيط 4/9.
[12457]:ينظر: الدر المصون 2/597.
[12458]:ينظر: الإملاء 1/224.
[12459]:ينظر: المفردات 316.
[12460]:ينظر: البحر المحيط 4/4.
[12461]:البيت ينظر: اللسان "وبل" الدر المصون 2/597.
[12462]:ينظر: المفردات 307.
[12463]:ينظر: تفسير البغوي 2/58.