{ وما أتيتم من شيء } : أي وما أعطاكم الله من مال أو متاع .
{ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها } : فهو ما تتمتعون به وتتنزهون ثم يزول ويفنى .
{ وما عند الله خير وأبقى } : أي وما عند الله من ثواب وهو الجنة خير وأبقى .
{ أفلا تعقلون } : لأن من يؤثر القليل الفاني على الكثير الباقي لا عقل له .
لقد سبق في هذا السياق أن المشركين اعتذروا عن الإِسلام بعذر مادي بحت وهو وجود عداوة بينهم وبين سائر العرب . يترتب عليها حروب وتعطل التجارة إلى غير ذلك . فقوله تعالى هنا { وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } هو خطاب لهم ولكل من يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة فيسْتَحِل المحرمات ويعطل الأحكام ويضيع الفرائض والواجبات لتعارضها في نظره مع جمع المال والتمتع بالحياة الدنيا . وقوله تعالى : { وما أوتيتم من شيء } أي من مال ومتاع وإن كثر { فمتاع الحياة الدنيا } أي فهو متاع الحياة الدنيا { وزينتها } أي تتمتعون وتتنزهون به أياما أو أعواماً ثم ينفد ويزول ، أو تموتون عنه وتتركونه { وما عند الله } من نعيم الجنة { خير وأبقى } خير في نوعه وأبقى في مدته ، فالأول رديء وتصحبه المنغصات ويعقبه الكدر ، والثاني جيد صالح خال من المنغصات والكدورات وباق لا يبلى ولا يفنى ولا يزول ولا يموت صاحبه ويخلفه وراءه . { أفلا تعقلون } يا من تؤثرون الفاني على الباقي والرديء على الجيد والخبيث على الطيب .
- فائدة العقل أن يعقل صاحبه دون ما يضره ، ويبعثه على ما ينفعه فإن لم يعقله دون ما يضره ولم يبعثه على ما ينفعه فلا وجود له ، ووجوده كعدمه .
ولما اعتلوا في الوقوف عن الإيمان بخوف التخطف ، فذكرهم نعمته عليهم بإقامة أسباب الأمن وإدرار الرزق ، وعرفهم أنه هو وحده الذي تخشى سطواته ، ويتقي أخذه لمن خالفه وبطشاته ، وكان خوفهم من عواقب المتابعة إما على أنفسهم وإما على ما بأيديهم من المتاع ، علم من ذلك كله قطعاً أن التقدير بما سبب التخويف من عواقب الظلم بمثل مصارع الأولين : فأنفسكم في خطر من خوف الهلاك من القادر عليكم كقدرته على من قبلكم بسبب التوقف عن المتابعة أشد من خطر الخوف من التخطف بسبب المتابعة ، أو يكون التقدير : فما خفتم منه التخطف غير ضائركم ، وكفكم عن المتابعة لأجله غير مخلدكم ، فما إهلاككم على الله بأي وجه كان - بعزيز ، فعطف على هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره قوله : { وما أوتيتم } أي من أي مؤت كان { من شيء } أي من هذه الأشياء التي بأيدكم وغيرها { فمتاع } أي فهو متاع { الحياة الدنيا } وليس يعود نفعه إلى غيرها ، فهو إلى نفاد وإن طال زمن التمتع به { وزينتها } أي وهو زينة الحياة الدنيا التي هي كلها - فضلاً عن زينتها - إلى فناء ، فليست هي ولا شيء منها بأزلي ولا أبدي { وما عند الله } أي الملك الأعلى مما تثمره لكم المتابعة من الثواب الذي وعدكموه في الدار الآخرة التي دل عليها دلالة واضحة إطباقكم على وصف هذه بالدنيا ، ومن أصدق وعداً منه { خير } على تقدير مشاركة ما في الدنيا له في الخيرية في ظنكم ، لأن الذي عنده أكثر وأطيب وأظهر ، وأحسن وأشهى ، وأبهج وأزهى ، { و } هو مع ذلك كله { أبقى } لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن أزلياً فهو أبدي .
فلما بان أنه لا يقدم على خطر المخالفة المذكور خوفاً من خطر المتابعة الموصوف عاقل ، توجه الإنكار عليهم في قوله تعالى : { أفلا تعقلون* } .
قوله : { وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا } أي ما أُعطيتموه أيها الناس من شيء من الأموال والأولاد والجاهات والمنازل في هذه الحياة إنما هو متاع . والمتاع ، معناه المنفعة أو ما تمتعت به{[3517]}فما خولكم الله من نعم على اختلاف صورها وأجناسها إنما هي متاع الدنيا الذي تتمتعون به وهو من زينتها التي تتزينون بها ، وذلك كله لا محالة زائل ؛ إذ لا بقاء له ولا ديمومة وإنما هو عارض دائر ، مثله كالسحاب أو الغمام ما يلبث أن ينقشع ويتبدد . أما الباقي المستديم فما أعده الله للمؤمنين في الآخرة من خير وجزاء لا يفنى ولا يزول وهو قوله : { وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي ما عند الله من الجزاء أحسن وأدوم ، والمراد به الجنة في الدار الآخرة . لا جرم أن الجنة بخيراتها ولذائذها وطيباتها أنفع وأطيب وأشهى . وفوق ذلك فإنها باقية مستديمة لا تتحول ولا تتبدل ولا يأتي عليها الفناء أو البِلى ، لكن الطيبات واللذات في الحياة الدنيا هينة ومحدودة ومستصغرة فضلا عن قصرها وصيرورتها إلى النهاية المحققة والفناء المحتوم .
قوله : { أفلا تعقلون } أليست لكم عقول تميزون بها بين الحق والباطل ، أو بين الحقير الفاني والعظيم الباقي ؟ .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.