أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (36)

شرح الكلمات :

{ واجتنبوا الطاغوت } : أي عبادة الأصنام والأوثان .

{ حقت عليه الضلالة } : أي وجبت في علم الله أزلاً .

المعنى :

/د35

وقوله في الآية ( 36 ) { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } فأخبر تعالى بأنه ما أخلى أمة من الأمم من إرسال رسول إليها لهدايتها وبيان سبيل نجاتها وتحذيرها من طرق غوايتها وهلاكها . كما أخبر عن وحدة الدعوة بين الرسل وهي لا إله إلا الله المفسرة بعبادة الله تعالى وحده ، واجتناب الطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله مما دعا الشيطان إلى عبادته بالتزيين والتحسين عن طريق الوسواس من جهة ومن طريق أوليائه من الناس من جهة أخرى .

وقوله تعالى : { فمنهم } أي من الأمم المرسل إليهم { من هدى الله } فعرف الحق واعتقده وعمل به فنجا وسعد ، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } أزلاً في كتاب المقادير لأنه أصر على الضلال وجادل عنه وحارب من أجله باختياره وحريته فحرمه الله لذلك التوفيق فضلَّ ضلالاً لا أمل في هدايته .

وقوله تعالى : { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } أمر لكفار قريش المجادلين بالباطل المحتجين على شركهم وشرعهم الباطل أمر لهم أن يسيروا في الأرض جنوباً أو شمالاً فلينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين أمثالهم من أمة عاد في الجنوب وثمود في الشمال ، ومدين ولوط وفرعون في الغرب .

/ذ36

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (36)

ولما كان جمع الرسل مفهماً لتوزيعهم على الأمم ، كان موضع توقع التصريح بذلك ، فقال - دافعاً لكرب هذا الاستشراف ، نافياً لطروق احتمال ، دالاً علا أن هذا القول السابق منصب إنكاره بالذات إلى اعتراضهم على الإرسال ، ومسلياً لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وحاثاً لهم على الاعتبار ، عطفاً على ما تقديره : فلقد بعثناك في أمتك هذه لأن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدينا ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ، فكان من غير شك بعضهم مرضٍ لله وبعضهم مغضب له ، فإنه لا يكون حكم المتنافيين واحداً أبداً : { ولقد } أي والله لقد { بعثنا } أي على ما لنا من العظمة التي من اعترض عليها أخذ { في كل أمة } من الأمم الذين قبلكم { رسولا } فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة ، ولأجل أن الرسل قد تكون من غير المرسل إليهم كلوط وشعيب عليهما السلام في أصحاب الأيكة وسليمان عليه السلام في غير بني إسرائيل من سائر من وصل إليه حكمه من أهل الأرض لم يقيد ب " منهم " .

ولما كان البعث متضمناً معنى القول ، كان المعنى : فذهبوا إليهم قائلين : { أن اعبدوا الله } أي الملك الأعلى وحده { واجتنبوا } أي بكل جهدكم { الطاغوت } كما أمركم رسولنا { فمنهم } أي فتسبب عن إرسال الرسل أن كانت الأمم قسمين : منهم { من هدى الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة ، للحق فحقت له الهداية فأبصر الحق وعمل به باتباع الدعاة الهداة فيما أمروا به عن الله ، فحقت له الجنة { ومنهم من حقت } أي ثبتت غاية الثبات { عليه الضلالة } بأن أضله الله فنابذ الأمر فلم يعمل به وعمل بمقتضى الإرادة ، فإن الأمر قد لا يكون ما تعلق به ، والإرادة لا بد أن يكون ما تعلقت به ، وقد يكون موافقها عاملاً بالضلالة فحق عليه عذابها فحقت له النار فهلك ، لأنه لم تبق له حجة يدفع بها عن نفسه ، فلو كان كل ما شاءه حقاً كان الفريقان محقين فلم يعذب أحدهما ، لكنه لم يكن الأمر كذلك ، بل عذب العاصي ونجى الطائع في كل أمة على حسب ما قال الرسل ، وهذا هو معنى رضي الله ، إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم ، فدل ذلك قطعاً على صدق الرسل وكذب مخالفيهم ، فالآية من الاحتباك : ذكر فعل الهداية أولاً دليلاً على فعل الضلال ثانياً ، وحقوق الضلالة ثانياً دليلاً على حقوق الهداية أولاً .

ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال : { فسيروا } أي فإن كنتم أيها المخاطبون في شك من إخبار الرسل فسيروا { في الأرض } أي جنسها { فانظروا } أي إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم ، وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى التعقب دون تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب المبادرة إلى الإقلاع عنه بخلاف { ثم انظروا } في الأنعام لما تقدم ، وأشار بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال : { كيف كان } أي كوناً لا قدرة على الخلاص منه { عاقبة } أي آخر أمر { المكذبين * } أي من عاد ومن بعدهم الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفر من أسلافكم ، فإنهم كذبوا الرسل فيما أمرتهم بإبلاغه مخالفة لأمري وعملاً بمشيئتي ، فأوقعت بهم لأنهم خالفوا أمري باختيارهم مع جهلهم بإرادتي ، فقامت عليهم الحجة على ما يتعارفه الناس بينهم .