{ وقال الذين أشركوا } : هم كفار قريش ومشركوها .
{ ولا حرمنا من دونه من شيء } : كالسوائب والبحائر والوصائل والحمامات .
{ فهل على الرسل إلا البلاغ } : أي ما على الرسل إلا البلاغ فالاستفهام للنفي .
فيقول تعالى مخبراً عنهم { وقال الذين أشركوا } أي مع الله آلهة أخرى وهي أصنامهم كهبل واللات والعزى وقالوا لو شاء الله عدم إشراكنا به ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ، ولا حرمنا من دون تحريمه شيئاً فهل قالوا هذا أيماناً بمشيئة الله تعالى ، أو قالوه استهزاء وسخرية دفاعاً عن شركهم وشرعهم الباطل في التحريم والتحليل بالهوى ، والأمران محتملان . والرد عليهم بأمرين أولهما ما دام الله قد نهاهم عن الشرك والتشريع فإن ذلك أكبر دليل على تحريمه تعالى لشركهم وحرماتهم من السوائب أن من سبقهم من الأمم والشعوب الكافرة قالوا قولتهم هذه محتجين به على باطلهم فلم يلبثوا حتى أخذهم الله ، فدل ذلك قطعاً على عدم رضاه بشركهم وشرعهم إذ قال تعالى في سورة الأنعام رداً على هذه الشبهة { كذلك قال الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } أي عذاب انتقاماً منهم لما كذبوا رسلنا وافتروا علينا . وقوله تعالى : { كذلك فعل الذين من قبلهم } من الأمم السابقة قالوا هؤلاء لرسلهم وفعلوا فعلهم حتى أخذهم الله بالعذاب . وقوله { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أي ليس على الرسول إكراه المشركين على ترك الشرك ولا إلزامهم بالشرع وإنما عليه أن يبلغهم أمر الله تعالى ونهيه لا غير . فلذا كان في الجملة تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله في هذا السياق ( 35 )
ولما تم ما هو عجب من مقالهم ومآلهم ، في سوء أحوالهم ، وختم بتهديدهم ، عطف على قوله { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } موجباً آخر للتهديد ، معجباً من حالهم فيه ، فقال : { وقال الذين أشركوا } أي الراسخ منهم في هذا الوصف والتابع له ، على سبيل الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد من نبي وغيره ، محتجين بالقدر عناداً منهم ، ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل بأنه - لقدرته على كل شيء - غير محتاج إلى بعث الرسل ، فإرسالهم عبث - تعالى الله الحكيم عن قولهم ، فهو قول من يطلب العلة في أحكامه تعالى وفي أفعاله ، وهو قول باطل ، لأنه سبحانه الفعال لما يريد سواء أطلع العباد على حكمته أم لا : { لو شاء الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، عدم عبادتنا لغيره { ما عبدنا } .
ولما كانت الرتب كلها متقاصرة عن رتبته وكانت متفاوته ، وكان ما يعبدونه من الأصنام في أدناها رتبة ، أدخلوا الجار فقالوا : { من دونه } وأعرقوا في النفي فقالوا : { من شيء } أي من الأشياء { نحن ولا ءاباؤنا } من قبلنا ! ولما ذكروا الأصل أتبعوه الفرع فقالوا : { ولا حرمنا } أي على أنفسنا { من دونه } أي دون أمره { من شيء } لأن ما يشاء لا يتخلف على زعمكم ، لكنه لم يشأ العدم ، فقد شاء وجود ما نحن عليه ، فنحن نتبع ما شاءه لا نتغير عنه ، لأنه لا يشاء إلا ما هو حق ، وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه الحق التي أرادوا بها الباطل - أن مدار السعادة والشقاوة إنما هو موافقة الأمر لا موافقة الإرادة ، فما كان من الفعل والكف على وفق الأمر سعد فاعله ، وما خالفه قامت به الحجة على فاعله على ما جرت به عوائد الناس فشقي .
فلما انتهك ستر هذه المقالة المموهة ، وكان كأنه قيل استبعاداً لها : هل قالها غيرهم ؟ فقيل : نعم ! { كذلك } أي مثل هذا الفعل البعيد من السداد ، والقول الخارج عن الهداية والرشاد ، وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل ، مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة ، فإنه تعالى يريد إظهار ثمرة الملك بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة بالأفعال الاختيارية وإن كانت بقضائه ، لأن ذلك مستور عن العباد { فعل } أي كذب بدليل الأنعام { الذين } ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله : { من قبلهم } وكان تكذيباً ، لأن قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله ، والرسل يقولون : لا يرضاه ، ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو غير معاقب ، فكان ذلك سبباً للإنكار عليهم بقوله : { فهل } أي فما { على الرسل } أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم ، وهم الذين أرسلهم الله لدعاء العباد خلفاً عن سلف ؛ ولما كان الاستفهام بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه صور بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها فقال : { إلا البلاغ المبين * } وقد بلغوكم وأوضحوا لكم ، فصار وبال العصيان خاصاً بكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.